نظرية الكرة المُشْعَرة نظرية طبولوجية. والطبولوجيا فرع من فروع الرياضيات يهتم بشكل الفضاءات. والقسط الأكبر منها يرجع إلى عمل أنجز في أواخر القرن التاسع عشر، قام به هنري بوانكاريه Henri Poincaré الذي يعتبر واحدا من مؤسسي الطبولوجيا.
هناك عدد قليل من النتائج الرياضية المألوفة في نشاطنا اليومي بمستوى نظرية الكرة المُشْعَرة: فالعديد من القراء يلمس كل صباح نظرية الكرة المُشْعَرة عندما يحاولون مشط شعرهم وإيجاد قبعة يضعونها فوق رؤوسهم. بعبارة بسيطة فإن نظرية الكرة المُشْعَرة تقول إنه من المستحيل مشط سطح كرة مغطى بالشعر بشكل لا نترك فيه جَدْلات.
يشرح الفيديو الموجود في
http://www.youtube.com/watch?v=B4UGZEjG02s
هذه النظرية.
موضوعنا الأول في هذا المقام هو شرح مصطلحات “الشَّعر”، و”المِشط” و”الجَدْلة” بشكل رياضي. تخيّل سطحا
في الفضاء الأقليدي الثلاثي الأبعاد
. عند كل نقطة
من
، هناك مستوي ثنائي الأبعاد مماس لـ
. تسمى الأشعة المنطلقة من
في هذا المستوي مماسات للسطح
في النقطة
. ما يقابل لفظ “الشعْر” في الرياضيات هو تلك الأشعة المماسة.
“تصفيفة رياضياتية” لـ
هي اختيار –من أجل كل نقطة
من
– لشعاع
مماس لـ
عند النقطة
، هذه الأشعة يجب أن تتغيّر على
بشكل مستمر. بمعنى أنه إذا تقاربت نقطة
من نقطة
فإن الشعاع
يقترب أيضا من الشعاع
(أي أن طول
يقترب من طول
والزاوية بين الشعاعين تؤول إلى الصفر). نسمي مثل هذا الاختيار “للتصفيفة” (أي المجموعة
والمماسات
على
) حقلا مستمرا من الأشعة على
. إذا أعطيت نقطة
من
وكان
، نقول عن
عندئذ إنها صفر المجموعة
. ذلك ما يقابل “الجَدْلة”.
يمكننا الآن تدقيق نص نظرية الكرة المُشْعَرة (انظر [2، 3، 4]) : تقول هذه النظرية :
“هناك، على الأقل، صفر لكل حقل مستمر من الأشعة على سطح كروي”
يتم التعبير الرياضي عن الجَدْلات المرتبطة بـ
بواسطة أصفار
. على سبيل المثال، إذا كان لـ
جَدْلة حول نقطة
كما هو الحال في الشكل 1–(أ) فإن
. كلما اقتربنا من مركز الجدلة، تأخذ الأشعة جميع الاتجاهات الممكنة عندما تقترب من جوار
. إن الطريقة الوحيدة التي من أجلها تقترب هذه الأشعة معًا من
عندما يكون
مستمرا بالنسبة لـ
، هي أن تتناقص أطوال كافة الأشعة حتى تبلغ الصفر عند
وذلك للحصول في آخر المطاف على
. ومن ثمّ تتنبّأ نظرية الكرة المُشْعَرة بأن كل حقل مستمر من الأشعة على سطح كروي سيشكل نوعا من الجَدْلات.

، (ب) حقل مستمر من الأشعة على سطح كروي ذو جدلتين.نظرية الكرة المشعرة تقيّد الخصائص النوعية لشعاع الحقل
. من جهة أخرى، نلاحظ مثلا أن أطوال الأشعة ليست ذات أهمية. نستطيع أيضا التأكد من أن ذلك يظل قائما على سطح يكافئ، طُبُولوجيًّا، سطحًا كرويًّا. والسطح الكروي سطح يمكن الحصول عليه من “تشويه مستمر”. لفهم معنى التشوّه المستمر تخيّل سطحا كرويا مثل الكرة المطاطية التي يمكن أن تُشوَّه يدويًّا، فتضغط أجزاء وتمدّد أخرى، ولكن دون تمزيقها. تكون السطوح المحصل عليها عندئذ مطابقة لسطح كروي، من وجهة النظر الطبولوجية. نشير إلى أن النظرية لا تتعلق إلا بالخصائص النوعية، أي الخصائص الطبولوجية للسطح. إنها إحدى بصمات الطبولوجيا، وأيضا أحد أسباب تطبيقاتها الواسعة في عديد مجالات الرياضيات : ذلك أن المعلومات الطبولوجية حول الفضاءات مستقلة عن بعض الميزات الكمّية، مثل المساحة أو التناظر.
سنوضح فكرةً تشرح نظرية الكرة المشعّرة (انظر [2، 3]). ليكن
سطحا كرويا متمركزا في مبدأ المعلم الثلاثي الأبعاد
بحيث تكون النقطةُ
– النقطةُ المقابِلة قطريا للنقطة
. نعتبر حقلا مستمرا
من الأشعة على
. نريد إثبات أن
ينعدم عند نقطة معينة من
. لنفرض العكس، أي أن
لا ينعدم أبدا.
عند كل نقطة
من
يوجد خط طول في اتجاه
لأن
لا ينعدم. والآن، هب أن كل نقطة
تتحرك على خط الطول هذا بنفس السرعة. بعد مدة معينة (وهي نفس المدة لجميع النقاط)، ستدرك كل نقطة
نظيرتها القُطرية
. وهكذا نحصل على عائلة من التحويلات من
نحو
نفسها. في اللحظة الابتدائية
تتحول كل نقطة
من
إلى النقطة ذاتها، بمعنى أن السطح خضع للتحويل المطابق. وعندما تتزايد
تبدأ كل نقطة
في التحرك على خط الطول الذي يربط
و
وفقا لاتجاه
. في آخر المطاف كل نقطة
تدرك نظيرتها
. يسمى هذا التحويل تحويل التقابل القطري Antipodal transformation. وبالتالي، فإننا نستطيع تشويه التحويل المطابق تشويها مستمرا حتى يصبح يمثل تحويل التقابل القطري. بعد كل هذا، يمكن إثبات أن مثل هذا التشوّه غير موجود ! ذلك أن تحويل التقابل القطري “يقلب اتجاه”
. وبما أن ذلك التشوّه غير موجود فإن الفرض الابتدائي القائل إن
لا ينعدم عند أية نقطة من
يصبح فرضا مستحيلا، وهو بالضبط ما تنص عليه نظرية الكرة المُشْعَرة.
لشرح معنى “الاتجاه المعاكس” بطريقة حدسية نعتبر، بالمشابهة، التحويل المطابق في
، الذي يحوّل كل نقطة من
إلى النقطة نفسها، والتحويل الذي يحوّل كل نقطة
إلى
. في الشكل 2، يظهر تحويل المحاور الابتدائية (على يسار) إلى المحاور الجديدة عبر تحويل التقابل القطري
.

في الفضاء الأقليدي الثلاثي الأبعاد
.يمكن للقارئ أن يقتنع بسهولة بأنه لا يمكن إنجاز دوران لمعلَم المحاور المرتبة
للحصول على معلم المحاور المرتبة
. هذا يعني أن التحويل “
” “يعكس الاتجاه” لـ
. إن ما يحدث لتحويل التقابل القطري لـ
أمر مشابه.
المفاهيم الرياضية الكامنة وراء هذا التفسير الاستكشافي تُدعى “التشوّه المستمر” (أو التَّحاول الهوموتوبية homotopy) والدرجة (انظر [2، 3]). نقول عن تحويلين من
إنهما هوموتبيان (أو مُتَحاولان) إذا أمكن أن يكون أحدهما مشوَّها باستمرار حتى يصبح في النهاية مطابقا للآخر. على سبيل المثال، يمكن لدورانيْن لـ
أن يُشوَّه أحدهما باستمرار فيطابق أحدهما الآخر وذلك بتغيير مستمر لزاوية الدوران ولمحور الدوران. من جهة أخرى، حتى نحوّل
إلى
نفسه يمكن تعيين عدد صحيح، وهو درجة
: درجة التحويل المطابق ودرجة تحويل التقابل القطري هما
و
على الترتيب. نلاحظ أن درجة التحويل في
لا تتغيّر خلال التشوّه المستمر لأنها لا تستطيع “القفز” فجأة إلى عدد صحيح آخر خلال التشوّه المستمر. وبالتالي فكل تحويلين هوموتبيين من
لهما نفس الدرجة، والتحويل المطابق وتحويل التقابل القطري ليسا هوموتبيين. وكما رأينا فإن كل حقل أشعة بدون صفر على سطح كروي تسمح بالحصول على مثل هذا التشوّه المستمر. ومن ثمّ نستنتج أن حقل أشعة من هذا القبيل غير موجود. نلاحظ أن هذا النوع من الحجج، الذي تدخل فيه كميات متقطعة صامدة عبر التشوّه المستمر –هذا الصامد هنا هو الدرجة– كثيرا ما نجده في الطبولوجيا.
نظرية الكرة المشعّرة هي أيضا ناتجة من نظرية عامة لبوانكاريه حول حقول الأشعة على السطوح. ليكن
حقلا مستمرا من الأشعة على سطح كروي
بأصفار منعزلة عند النقاط
،
، …،
. ليكن
مجموع أدلة كل أصفار
. من الحقائق اللافتة التي لا شك ستفاجئ القارئ أن العدد الصحيح
لا يتعلق بـ
. يعني ذلك أنه إذا كان
حقلا مستمرا آخر من الأشعة على
بأصفار عند النقاط
،
، …،
فإن
![]()
لنأخذ، على سبيل المثال، السطح
مع حقل أشعة بصفرين دليلهما
، كما هو الحال في الشكل 1–(ب)، أحدهما في القطب الشمالي والآخر في القطب الجنوبي. وبالتالي فمجموعهما يساوي
. في مثال آخر يمكن أن يكون لدينا صفر واحد بدليل
كما هو الشأن في الشكل 3–(د). يستطيع القارئ محاولة استخراج حقول مستمرة أخرى من الأشعة بأصفار منعزلة على سطح كروي. سيكون مجموع الأدلة دوما
. وهذا يؤدي إلى نظرية الكرة المشعّرة : إذا كان مجموع أدلة أصفار
هو
(لاحظ أن هذا المجموع غير منعدم) فلا بد أن يقبل
أصفارا.

لـ (أ)،
لـ (ب)،
لـ (جـ)،
لـ (د).الدليل، الذي نرمز إليه بـ
، هو أيضا مفهوم طبولوجي يرتبط بالسلوك النوعي لـ
بجوار
. والواقع أن هذه الأفكار التي أتى بها بوانكاريه ظهرت في البداية في نص مخصص للجوانب النوعية لنظرية المعادلات التفاضلية.
نفرض أن
حقل مستمر من الأشعة على سطح كروي
بأصفار منعزلة عند النقاط
،
، …،
. ليكن
مجموع أدلة كل أصفار
. من الحقائق اللافتة التي لا شك ستفاجئ القارئ أن العدد الصحيح
لا يتعلق بـ
. يعني ذلك أنه إذا كان
حقلا مستمرا آخر من الأشعة على
بأصفار عند النقاط
،
، …،
فإن
![]()
تفسير هذه النتيجة : نفرض أن السطح
يتشكل من مثلثات متصلة بالأضلاع بحيث يشترك كل مثلثين في أحد تلك الأضلاع. هب أن الأصفار (المنعزلة) لـ
و
موجودة داخل المثلثات حيث يمكن لكل مثلث أن يشمل على الأكثر صفرا لـ
أو لـ
. دعنا نوجّه أضلاع كل مثلث بحيث إذا سارت نملة صغيرة على طول الأضلاع فيكون داخل المثلث على يسارها. إذا تم تقاسم ضلع من قبل مثلثيْن متجاوريْن
و
فإن النملة ستسير على الضلع المشترك في اتجاهين متعاكسين حسب خط دورانها حول المثلثين
أو
.
في كل نقطة
من أحد الأضلاع، نستطيع قياس الزاوية بين شعاعين
و
المتغيّرة على طول الضلع. إذا تغيّرت هذه الزاوية بمقدار
بين بداية ونهاية الضلع عندما تسير النملة في اتجاه معيّن فسوف تتغير الزاوية بمقدار
على طول الضلع عند السير في الاتجاه المعاكس. ولذا إذا جمعنا زاوية التغيّر على طول جميع أضلاع المثلثات التي تشكل السطح
فإننا نحصل على صفر لأن كل ضلع يسهم مرتين في حسابنا (مرة لكل اتجاه). يمكن للقارئ أن يتأمل قليلا ليقتنع بأن هذا المجموع المعدوم يساوي أيضا
. في الواقع، إذا كان لـ
و/أو لـ
صفر داخل مثلث فإن التغيّر الكلي للزاوية بين
و
على طول أضلاع المثلث الثلاثة يساوي بالضبط “
مَرّة” الفرق بين دليلي
و
الخاصين بأصفارهما (لأن الدليل هو عدد الدورات الكاملة لحقل الأشعة التي ينجزها عند الاقتراب من الأصفار). يمكن التأكد من أنه إذا لم تكن لـ
و
أصفار داخل المثلث فالتغير الكلي للزاوية على طول الأضلاع الثلاثة سوف يكون معدوما. والملاحظ في هذا السياق أنه لا مانع من تعريف
في حال كان
. إذن
كما هو مبين أعلاه.
نستخلص أنه إذا وجد حقل مستمر من الأشعة على سطح كروي بحيث يكون مجموع أدلة الأصفار يساوي
فسيكون هذا حال جميع الحقول المستمرة من الأشعة على هذا السطح. وهذا يؤدي، كما رأينا، إلى نظرية الكرة المشعّرة.
إن التبرير الذي قدمناه لا ينطبق على السطوح الكروية فحسب بل يصلح لكل السطوح الواردة في الشكل 4 التي تسمى السطوح القابلة للتوجيه. فبدلا من السطوح الكروية، يمكن اعتبار S كطارة – (مثل سطح كعكة “الدونت” donut) أو سطح آخر حيث يكون
علما أن
يرمز لعدد “الثقوب”.

، (د)
.ليس من الصعب إثبات أنه إذا كان لـ
عدد من الثقوب يساوي
فإن مجموع أدلة الأصفار لأي حقل مستمر من الأشعة على
يعادل “مميزة أولر” Euler لـ
. هذه الميزة تساوي
(انظر [2، 6]). نلاحظ أن
يتعلق فقط بالسلوك المحلي لـ
قرب
، في حين أن
يتعلق بالشكل العام لـ
. في حالة سطح الكرة لدينا
، ولذا فمجموع الدليلات يساوي
. أما حالة الطارة فتعطينا
، ويمكن للقارئ أن يجد بسهولة حقلا مستمرا من الأشعة لا ينعدم أبدا. وإذا ما عمّمنا البرهان قليلا بمقدورنا إثبات أن هذه النظرية التي جاء بها بوانكاريه صالحة أيضا في حال سطوح أخرى لا تنتمي إلى هذه الفئة. مثال ذلك : المستوي الإسقاطي وزجاجة كلاين Klein (انظر [5]).
وبعد ذلك أقْدَم الرياضياتي الألماني هينز هوبف Heinz Hopf (انظر [7]) عام 1926 على تعميم نظرية بوانكاريه حول سطوح كائنات هندسية أبعادها أكبر من 2. توضح هذه النتائج أسلوب عمل الطبولوجيا التي تطورت بقوة خلال القرن العشرين. وهي تُطبَّق بكثافة في عديد مجالات الرياضيات، سيما الهندسة، والتحليل، والجمل الديناميكية، والمعادلات التفاضلية حيث تقوم الطبولوجيا بإبراز الجوانب النوعية والشمولية للمسائل المطروحة.
إننا نستطيع نمذجة المركبة الأفقية لسرعة الهواء في الغلاف الجوي عند ارتفاع معيّن من خلال حقل مستمر من الأشعة على سطح كرة. في هذه الحالة تتنبأ نظرية الكرة المشعّرة بوجود أصفار، وتتنبأ أيضا بالدوامات مثل الأعاصير في حركة الغلاف الجوي. كما تنطبق النظرية على حركة الغاز فائق السخونة في غلاف الشمس، الذي يشكل باستمرار جدلات بديعة. هناك جزء من جمال لغة الرياضيات يأتي من الوصف الموحَّد لظواهر مختلفة اختلاف تصفيفة شعرنا الصباحية عن حال الغلاف الجوي للشمس، إذ تنطبق على كل ذلك جملة من المفاهيم بفعالية كبيرة سواء تعلق الأمر بوصف العالَم المادي أو بتناول أكثر المسائل تجريدا.
المراجع
[1] http://pt.wikipedia.org/wiki/Henri_Poincaré, http://www.poincare.fr
[2] W. Fulton, Algebraic Topology – a first course, Springer-Verlag 1995.
[3] E.L. Lima, Curso de Analise, Vol.2, Chapter VII, Projecto Euclides, IMPA, 1981.
[4] http://en.wikipedia.org/wiki/Hairy_ball_theorem
[5] http://en.wikipedia.org/wiki/Real_projective_plane,
http://en.wikipedia.org/wiki/Klein_bottle