ثأر لامتناهيات الصغر

المؤلفة الأصلية: ميشال أرتيگ Michèle Artigue.

غلاف كتاب الماركيز دي لوبيتال

أدّت لامتناهيات الصغر دورا حيويا في نشأة وتطور حساب التفاضل والتكامل. لم يمنع المردود الواضح لهذا الحساب من مواصلة المناقشات المتكررة والعنيفة أحيانا حول طبيعة هذه الكائنات وشرعية استخدامها. وفي نهاية القرن التاسع عشر، عندما وفّر إنشاء الأعداد الحقيقية انطلاقا من الأعداد الصحيحة والتعريف الحديث لمفهوم النهاية أساسًا متينا لحساب التفاضل والتكامل، كانت لامتناهيات الصغر والماورائيات التي تحيط بها قد وُوجِهَت بالرفض، واعتُبر استخدامها مرادفًا لممارسات غير دقيقة ذهبت ريحها. ومع ذلك، ظلت لغة متناهيات الصغر تستخدم مثلا في الفيزياء، وحتى في الرياضيات، ولم تختف أبدا من الخطاب النظري لعدد من الباحثين، ومن فكرهم الاستكشافي.

هل تتعارض هذه اللغة حقا مع الدقة الرياضياتية؟ وما الذي تقدمه من مثير للاهتمام يبرّر حضورها؟ كان التحليل غير القياسي Non standard analysis الذي تطور خلال القرن العشرين قد سمح بالإجابة عن مثل هذه التساؤلات، ووفر للامتناهيات الصغر فرصة الأخذ بالثأر.

من حساب لامتناهيات الصغر إلى التحليل غير القياسي

في مقدمة أول مؤلَّف حول التحليل اللامتناهي الصغر المنشور عام 1696، تباهى صاحبه، الماركيز دي لوبيتال de l’Hôpital بقوة وسهولة الحساب الجديد الذي تتيحه لامتناهيات الصغر:

غلاف كتاب الماركيز دي لوبيتال ومقتطفات من مقدمته
الشكل 1: غلاف كتاب الماركيز دي لوبيتال ومقتطفات من مقدمته.

ولكن سرعان ما تطورت المناقشات حول هذه الكائنات واستخداماتها. ففي كتاب شهير بعنوان The analyst (“المحلِّل”) منشور عام 1734، قدّم جورج بيركلي George Berkeley نقدا لاذعا لاستعمال لامتناهيات الصغر —التي وصفها بالإضافات الزائلة في الحساب التفاضلي. كما اقترح جون لي روند Jean Le Rond d’Alembert في “الموسوعة المنهجية” Encyclopédie Méthodique عام 1751، التحرر من لامتناهيات الصغر اعتمادا على فكرة النهاية. وفي منعطف القرن العشرين، بدا الأمر مع تطوّر التحليل الحديث، محسوما ضد اللامتناهيات. ورغم ذلك، عندما ظهرت، بعد نصف قرن أعمال أبراهام روبنسون Abraham Robinson، أعيد تأهيل لامتناهيات الصغر والتطبيقات ذات الصلة بها.

لقد بيّن أبراهام روبنسون أن لغة لامتناهيات الصغر متناسقة تماما مع الدقة الرياضياتية. كما أثبت عالم المنطق ثوراف سكولم Thoraf Skolem منذ العام 1934 أن المجموعة المحصل عليها عند جمع وحدات متتالية انطلاقا من 0 لا يمكن أن تكون النموذج الوحيد لنظام مسلمات بيانو Peano. وبالتالي، هناك عديد النماذج المختلفة —تسمى غير قياسية— لهذا الحساب. وفي عام 1961، بيّن أبراهام روبنسون، من خلال إنشاء يعتمد على الجداءات الفائقة ultraproduct، وجود نموذج غير قياسي للأعداد الحقيقية يحتوي أعدادا “لامتناهية الكبر” وأخرى “لامتناهية الصغر”. وهكذا وُلِد على يده التحليل غير القياسي. ثم جاء إدوارد نلسون Edward Nelson عام 1977 بوسيلة سمحت بـ”مَسْلَمَة” (وضع مسلمات) التحليل غير القياسي. لبلوغ ذلك المسعى، أضاف نلسون إلى نظرية المجموعات رمز مُسنَد predicate واحدي، \mathrm{st}(x)، يعبِّر عن أن الكائن x كائن قياسي (أو معياري)، وأضاف إلى مسلمات “زرملو-فرنكل-الاختيار” ZFC1 الخاصة بهذه النظرية ثلاث مسلمات: مسلمات المثالية idealisation، والقياسية (أو التوحيد) standardisation، والتحويل2 transfer مما يجعل التحليل غير القياسي سهل التناول. ونحن نعتمد هنا على هذا الأسلوب في وضع المسلمات الذي يدعى “نظرية المجموعات الداخلية” IST.

لهذه المسلمات الثلاث نتائج هامة. فعلى سبيل المثال، يترتب عن مسلمة التحويل أن مجموعتين E_1 و E_2 تكونان متساويتين إذا وفقط إذا كانت لهما نفس العناصر القياسية3. كما يأتي من نفس المسلمة أنه إذا وُجد عنصر x يحقق خاصية كلاسيكية P —أي خاصية يمكن التعبير عنها دون استعمال رمز المُسنَد \mathrm{st}— فإنه يوجد بالضرورة x قياسي يحققها. وهكذا فالكائنات التي يمكن تعريفها بطريقة وحيدة بصيغة كلاسيكية (تقليدية) هي بالضرورة كائنات قياسية. الأعداد والكائنات التي تعودنا عليها في الرياضيات: مثل الأعداد \pi و e، والدوال المثلثية والأسّية، هي كائنات قياسية، شأنها شأن المجموعة الخالية، ومجموعة الأعداد الطبيعية \mathbb{N} ومجموعة الأعداد الحقيقية \mathbb{R}.

غير أن المجموعة القياسية يمكن أن تمتلك عناصر غير قياسية. ينجم عن مسلمة المثالية وجود عدد أكبر من جميع الأعداد القياسية، ومن ثمّ فهو بالضرورة ليس قياسيا؛ وعلى العموم فكل مجموعة غير منتهية تملك على الأقل عنصرا ليس قياسيا4. وهكذا فالمجموعتان \mathbb{N} و \mathbb{R} مجموعتان قياسيتان تحتويان عناصر غير قياسية. كيف نتمثّلها؟

في \mathbb{N}، كل الأعداد القياسية تسبق الأعداد غير القياسية. أما في \mathbb{R}، فالوضعية أكثر تعقيدا نسبيًا. نميِّز في هذه المجموعة، حسب الحجم، بين ثلاثة أنواع من الأعداد الحقيقية:

  • الأعداد الحقيقية الصغيرة جدا أو لامتناهيات الصغر (الموجبة والسالبة)، التي هي بالقيمة المطلقة أقل من كل عدد حقيقي قياسي موجب تماما،
  • الأعداد الحقيقية الكبيرة جدا أو لامتناهية الكبر (الموجبة والسالبة)، التي هي بالقيمة المطلقة أكبر من كل عدد حقيقي قياسي موجب،
  • وبين الاثنين، هناك الأعداد التي يجوز تسميتها، على المستوى البشري، بالأعداد “القابلة للتقدير” appreciable.

إذا كان عدد حقيقي لامتناهي الصغر أو قابلا للتقدير، نقول إنه متناوٍ. وإذا كان عدد لامتناهي الكبر فمقلوبه سيكون لامتناهي الصغر، وسيكون كلاهما حتما غير قياسيين. أما الأعداد الحقيقية القابلة للتقدير فيمكن أن تكون قياسية أو غير قياسية. نعتبر على سبيل المثال العدد الحقيقي 1، ونضيف إليه عدد لامتناهي الصغر غير معدوم \alpha، فنحصل على العدد الحقيقي 1 + \alpha، هو أيضا قابل للتقدير، لكنه غير قياسي وقريب بشكل لامتناه من 1. بجوار كل عدد حقيقي قياسي، توجد سحابة من الأعداد الحقيقية غير القياسية لامتناهية القرب منه. وحتى نتلَمَّسها ندخل علاقة جديدة. نقول إنّ x “لامتناهي الجيرة” من y إذا كان x - y لامتناهي الصغر، ونعبِّر عن ذلك بالكتابة x \simeq y. وتسمى هالة عدد حقيقي y مجموعة الأعداد الحقيقية غير القياسية لامتناهية الجيرة منه. وهكذا فإن الأعداد اللامتناهية الصغر تكوِّن هالة 0، وكل عدد حقيقي x قابل للتقدير ينتمي إلى هالة عدد حقيقي قياسي وحيد، ونسمي هذه الهالة الجزء القياسي لذلك العدد. يمكننا تمثيل المستقيم الحقيقي كما في الشكل 2، مع حدود ليست واضحة بين الأعداد الحقيقية القابلة للتقدير والأعداد اللامتناهية الكبر، علما أن مجموعة الأعداد الحقيقية القابلة للتقدير لا تمتلك عنصرا أكبر، كما أن مجموعة اللامتناهيات الكبر الموجبة لا تمتلك عنصرا أصغر.

تمثيل المستقيم الحقيقي غير القياسي
الشكل 2: تمثيل المستقيم الحقيقي غير القياسي.

لقد وُضِعت قواعد حسابية —تراعي اختلافات كبر الأعداد— عَمَّمت تلك المتداولة في الحساب المألوف. وهكذا، إذا رمزنا بـ ip للامتناهيات الصغر، وبـ app للأعداد القابلة للتقدير وبـ ig للامتناهيات الكبر يمكننا مثلا أن نبيّن بأن: ip \cdot ip = ip، ip + app = app، ip \cdot app = ip، ip + ip = ig. ندعو القارئ لإتمام الجدولين التاليين حيثما كان ذلك ممكنا.

+ ip app ig
ip
app
ig
\times ip app ig
ip
app
ig

الجدول 1: حساب الأعداد لامتناهية الصغر، القابلة للتقدير ولامتناهية الكبر.

وهكذا نتساءل: هل لازالت مجموعة الأعداد الحقيقية تحقق مبدأ أرخميدس؟ يقول هذا المبدأ: إذا كان a و b عددين حقيقيين موجبين حيث 0 < a < b، يوجد عدد طبيعي n بحيث na > b. بطبيعة الحال، إذا كان a لامتناهي الصغر ولم يكن b كذلك، فسيكون n لامتناهي الكبر.

التحليل غير القياسي ومفاهيم التحليل الأساسية

في إطار التحليل غير القياسي، يتم التعبير عن مفاهيم التحليل الرياضي الأساسية (النهايات، الاستمرار، الاشتقاق، التكامل) ببساطة من أجل الكائنات القياسية، كما يتضح من الجدول التالي5:

المفهوم الترجمة بلغة التحليل غير القياسي
متتالية الأعداد الحقيقية (u_n) تتقارب نحو l. من أجل n لامتناهي الكبر، l \simeq u_n.
التابع f مستمر عند a. من أجل كل x \simeq a فإن f(x) \simeq f(a).
التابع f مستمر بانتظام على I. من أجل كل x و y من I فإن: x \simeq y \Rightarrow f(x) \simeq f(y).
التابع f قابل للاشتقاق عند a، ومشتقه l. من أجل كل x \simeq a، \dfrac{f(x) - f(a)}{x - a} \simeq l.

الجدول 2: التعبير عن مفاهيم أساسية في التحليل الرياضي بلغة التحليل غير القياسي.

تسمح هذه الصيغ البسيطة الخالية من تناوب المكممات المنطقية، وهذه الأفكار التي تقوم عليها، بتقديم براهين بسيطة لعديد المبرهنات المعروفة. نقدم كمثال على ذلك في المربع أدناه برهانا لمبرهنة القيم المتوسطة.

مبرهنة القيم المتوسطة6: نعتبر مجالا I من \mathbb{R}، وتابعا حقيقيا f مستمرا على I، وعددين حقيقيين a و b من المجال I مع a < b. من أجل كل y محصور بين f(a) و f(b)، يوجد عدد حقيقي c من المجال [a,b] بحيث f(c) = y.

برهان: يمكن في إثبات هذه المبرهنة افتراض أن y = 0 و f(a) < 0 < f(b)، وهذا دون الحد من عمومية المسألة. ليكن \omega عددا لامتناهي الكبر. نجزِّئ المجال [a,b] بخطوة \dfrac{b-a}{\omega}،

    \[\left(x_0 = a, \ldots, x_n = a + \dfrac{n(b-a)}{\omega}, \ldots, x_\omega = b\right).\]

وليكن m أصغر دليل يحقق f(x_m) > 0. إنّ m \neq 0 فرضًا، و x_m عدد حقيقي متناوٍ لأنه محصور بين a و b. نرمز بـ c لجزئه القياسي. عندئذ يكون f(x_{m-1}) \leq 0 و f(x_m) > 0، ولكن x_{m-1} \simeq x_m لأن خطوة التجزئة لامتناهية الصغر و x_m \simeq c. إذن f مستمر عند c، و f(c) \simeq f(x_{m-1}) \simeq f(x_m). ولما كان f(c) قياسيا فإن f(c) = 0.

يسمح التحليل غير القياسي أيضا بتبرير تقنيات التقطيع إلى أجزاء لامتناهية الصغر، وهي تستعمل دوما خارج ميدان الرياضيات في حساب المساحات، والحجوم، وعزوم العطالة، ومراكز الثقل، وكذا في نمذجة وضعيات باستخدام المعادلات التفاضلية. المثال البسيط أدناه يوضح ذلك.

حساب حجم الكرة

ليكن S سطح كرة قطرها R. نقسم الكرة إلى أجزاء لامتناهية الصغر سمكها dz. الحجم dV للجزء الواقع على ارتفاع z هو تقريبا حجم الأسطوانة ذات نصف القطر \sqrt{R^2 - z^2} والارتفاع dz، أي dV = \pi(R^2 - z^2)\,dz. وبالتالي، نحصل بالجمع على

    \[V = \int_{-R}^{+R} \pi(R^2 - z^2)\,dz.\]

ومن ثمّ

    \[V = \left[\pi\left(R^2 z - \dfrac{z^3}{3}\right)\right]_{-R}^{+R}.\]

وفي الأخير، يتضح أن V = \dfrac{4\pi R^3}{3}.

حجم الكرة
الشكل 3: حجم الكرة.

نلاحظ أن مجموع حجوم الأسطوانات لامتناهية الصغر يساوي مجموع كوشي المرفق بالتقطيع لامتناهي الصغر ذي الخطوة dz للمجال [-R, R] باعتبار تابع المساحة S(z) = \pi(R^2 - z^2). ولذا فالجزء القياسي لهذا المجموع —وفق تعريف التكامل بمفهوم التحليل غير القياسي— يساوي التكامل

    \[\int_{-R}^{R} S(z)\,dz.\]

إلا أن هذا التكامل يعطي حقًا حجم الكرة لأن التقريب المقترح يقدم فعلا ما يعادل حجم الجزء المعتبر، ولا يكتفي بكونه لامتناهي القرب منه. لن يكون الحال كذلك لو استخدمنا مثلا نفس التقريب بواسطة الأسطوانات لحساب مساحة الكرة.

ضرورة التحلي باليقظة

يتطلب التعامل مع الكائنات غير القياسية بعض اليقظة. على سبيل المثال، لدى تعميم التعريف أعلاه لاستمرار تابع عند عدد حقيقي كيفي، قياسيا كان أو غير قياسي، نحصل على مفهوم “الـ S-استمرار” عند نقطة، وهو مفهوم لا يتوافق بالضرورة مع رؤيتنا للتوابع المستمرة. خذ مثلا التابع الدرجي الذي يأخذ 0 على مجموعة الأعداد الحقيقية السالبة تماما و \alpha على مجموعة الأعداد الحقيقية الموجبة، علما أن \alpha لا متناهي الصغر وغير معدوم. إن هذا التابع S-مستمر عند 0 لأن صورة كل لامتناهي الصغر موجب تمثل لامتناهي الصغر \alpha. ورغم ذلك، فالتابع التربيعي ليس S-مستمرا عند \omega عندما يكون \omega لامتناهي الكبر إذ أن \left(\dfrac{\omega+1}{\omega}\right)^2 = \omega^2 + 2 + \dfrac{1}{\omega^2} ليس لامتناهي القرب من \omega^2. في الواقع، عندما نعتبر تابعا قياسيا فإن الـ S-استمرار عند كل نقاط \mathbb{R} يكافئ الاستمرار بانتظام على \mathbb{R}، والحساب الذي قمنا به آنفا بخصوص التابع التربيعي، يبيّن ببساطة أن هذا التابع، حتى وإن كان مستمرا على \mathbb{R}، فهو ليس مستمرا بانتظام.

يتطلب استعمال التحليل غير القياسي أيضا توخّي الحذر عند استعمال مبدأ الاستدلال بالتراجع. في ظل شكله المعتاد، ينطبق هذا المبدأ على الخصائص التقليدية، فهو نتيجة من نتائج مسلَّمة التحويل، ولا يخرج على هذا النطاق. لنعتبر الاستدلال التالي، الذي غالبا ما يُقَدَّم كمفارقة:

لتكن P الخاصية: “يكون قياسيا”. P(0) صحيحة، ومن أجل كل عدد طبيعي n، إذا كانت P(n) صحيحة فإن P(n+1) صحيحة. إذن، من أجل كل n، فإن P(n) صحيحة. وكل الأعداد الطبيعية تكون عندئذ قياسية.

لقد طُبِّق هنا مبدأ الاستدلال بالتراجع على نص غير تقليدي لأنه كُتب بالمُسنَد \mathrm{st}. ولذا فالاستدلال لا يحمل تناقضات، بل هو بكل بساطة غير صالح. في الواقع، يمكن البرهان باعتبار خاصية كيفية P، على أن لدينا فقط مبدأ الاستدلال بالتراجع التالي: إذا كانت P(0) صحيحة، ومن أجل كل عدد طبيعي n، P(n) تستلزم P(n+1). فذاك يعني أن P صحيحة من أجل كل عدد طبيعي قياسي.

قدرات التحليل غير القياسي: سؤال لازال قيد النقاش

نحن نلاحظ أن التحليل غير القياسي أعاد تأهيل لامتناهيات الصغر، وكــذا طــرق الحــساب والحدس الذي تحمله. ولكن ذلك حدث إثر إنجاز بعض الأعمال — ومع التحلي بنصيب مــن اليقظــة. لنتساءل: ما الذي نجنيه فعلا من التحليل غير القياسي؟ هذا السؤال لازال قيد النقاش كما أوضِــحت، مثلا، مدوّنة الرياضياتي تيرنس طاو Terence Tao التي اطلعنا عليها عند تحضيرنا لهذا المقال. فقــد استعمل هذا التحليل في مجالات رياضياتية مختلفة، ومنها علــى وجــه الخــصوص: الطبولوجيـا، الاحتمالات، الجمل الديناميكية. ومن جهة أخرى، غذى نمذجات هامة كما حدث مثلا في التحكم الآلي، والإيكولوجيا، والاقتصاد. وعلى سبيل المثال، نمت في فرنسا — بمبادرة من جـــورج ريــب Georges Reeb— أسرة من الباحثين بدءا من نهاية السبعينيات وسجلت عديد الأبحاث الأصــــيلة فــي مجــــالات مختلفة (انظر المرجعين [6] و [12]). ومن أبرز تلك النتائج اكتشاف مسارات، تدعى مسارات “الــبط” في حقول أشعة ‘بطيئة–سريعة’. وتم ذلك في حالة بعدين ثم في حالة ثلاثة أبعاد. نقدم هذا الموضوع أدناه كمثال دون الخوض في التفاصيل الفنية في معالجته بطريقة التحليل غير القياسي. يستطيع القارئ غير المتعوّد على التعامل مع المعادلات التفاضلية تجاوز هذا الجزء.

مسارات “البط”

نعتبر المعادلة التفاضلية cx'' + (x^2 - 1)x' + x - a = 0، مع a \geq 0 و c > 0. تُظهِر دراسة كلاسيكية لهذه المعادلة أنه إذا كان a < 1 فالمعادلة تقبل حلًا دوريا وحيدا يمثّل طورا حدوديا limit cycle جاذبا. ويختفي هذا الحل الدوري عندما يكون a = 1. أما في حالة a \geq 1 فتوجد حالة مستقرة جاذبة x = a. تُعرف ظاهرة مسارات “البط” التي تسبق هذا التشعّب الديناميكي باسم تشعب هويف Hopf. وقد تم توضيحها من أجل القيم الصغيرة جدا لـ c وقيم a القريبة جدا من 1. وكانت هناك نمذجة غير قياسية سمحت لدى اعتبار c لامتناهي الصغر بتحديد الظاهرة ووصف شروط حدوثها.

نحوِّل المعادلة إلى جملة معادلات، ويتم ذلك بطريقتين مختلفتين: إما أن نضع u = cx' + F(x) مع F(x) = \dfrac{x^3}{3} - x، (وهو تحويل مألوف في دراسة هذا النوع من المعادلات، يسمى تحويل لينار Lienard)، وإما بطريقة تقليدية حيث نضع v = x'. ومنه تأتي الجملتان التاليتان، علما أن \omega = \dfrac{1}{c} عدد حقيقي لامتناهي الكبر:

    \[\begin{cases} x' = \omega(u - F(x)), \\ u' = a - x, \end{cases} \qquad \begin{cases} x' = \omega(u - F(x)), \\ v' = \omega(a - x - (x^2 - 1)v). \end{cases}\]

حقول أشعة بطيئة-سريعة في مستويي لينار

الحقول المرفقة في الجملتين تظهر في المستويين (x, u) و (x, v) المرسومين في الشكلين 1 و 2 المقتبسين من المرجع [4]. إنها حقول بطيئة-سريعة. فعلى سبيل المثال، نلاحظ أن حقل المستوي (x, u) —أو مستوي لينار Lienard— شبه أفقي خارج هالة المنحنى التكعيبي C ذي المعادلة u = F(x): الأجزاء المتزايدة في هذا المنحنى جاذبة (حسب اتجاه الأسهم الأفقي)، في حين نجد الأجزاء المتناقصة طاردة. ومن جهة أخرى، تذكر الأسهم المزدوجة بأن هذه الأجزاء شبه الأفقية تُقْطَعُ مسافتُها بسرعة لامتناهية الكبر. من خلال دمج تقنيات التحليل التقليدي والتحليل غير القياسي —سيما استعمال تغيير السلم بنسبة لامتناهية الكبر وفق منحى في المستويين (x, u) و (x, v)— يمكن إثبات، عندما يكون a < 1 وليس في هالة 1، أنه يوجد طور كبير ووحيد جاذب (الشكل 3).

وفي المستوي (x, u)، عندما يتحرك جسيم على هذا الطور، انطلاقا من نقطة M لا تقع في هالة C، فإنه يلتحق بهذه الهالة بشكل أفقي تقريبا وبسرعة لامتناهية الكبر، ثم يواصل على طول C، ويظل في هذه الهالة متحركًا بسرعة قابلة للتقدير x' \simeq \dfrac{a-x}{x^2 - 1} حتى يبلغ هالةَ قيمتِه الصغرى المحلية S^-. ثم يستأنف رحلته شبه الأفقية حتى يدخل مجددا في هالة C ويحاذي هذا المنحنى لإدراك هالة القيمة القصوى S^+، ثم ينطلق مرة أخرى بحركة شبه أفقية.

عندما يكون a \simeq 1، فالوضعية تتعقد لأن الأجزاء المنفصلة من المنحنى H_a الموافق لـ v' = 0 في مستوي أطوار phases المعادلة تصبح متجاورة بصفة لامتناهية. وينتج عن ذلك في المستوي (x, u) أن الحل الذي حاذى المنحنى C حتى هالة S^- يمكنه، من أجل بعض قيم a، محاذاة مقطع من الجزء الطارد في C، قبل أن يصبح شبه أفقي ويلتحق بهالة الجزء الجاذب لـ C (الشكل 4).

مورفولوجيا البط
الشكل 4: مورفولوجيا البط.

كان شكل هذه الدورات هو الذي أوحى للباحثين باسم “البط”. وعلى سبيل المثال فهي تبيّن أنه من أجل كل عدد x محصور بين -2 و 1، هناك قيمة لـ a بحيث توجد دورة بط فاصلة منقاره x. بدون مساعدة النماذج المعتمدة على التحليل غير القياسي، كان بالإمكان أن يظل وجود هذه المسارات مجهولا. ذلك أن ملاحظتها لا تستدعي فقط أن يكون c صغيرا و a مجاورا لـ 1 إذ يمكن إثبات أنه يجب أن يكون 1 - a قريبا جدا من \dfrac{c}{8}. وبعبارة أدق، يجب أن يكون حاصل القسمة \dfrac{1 - a - \frac{c}{8}}{c} لامتناهي الصغر. فإضافة إلى الجدوى الرياضياتية المحضة لمسارات “البط”، كان لوجود هذه المسارات الذي برز في الأنظمة ثنائية وثلاثية الأبعاد عديد التطبيقات.

ورغم ذلك ينبغي التأكيد على أن النتائج الجديدة التي تم الحصول عليها بفضل التحليل غير القياسي قد أعيد إثباتها بالطرق التقليدية. وهذا ليس غريبا إذ أن هذا التحليل يعتبر تمديدا محافظا لنظرية المجموعات: كل مبرهنة من نظرية المجموعات الداخلية تمتلك بالصيغة التقليدية هي أيضا مبرهنة ضمن نظام “زرملو-فرنكل-الاختيار” ZFC. يقترن اللجوء إلى هذه اللامتناهيات بشعور لدى العديد من الرياضياتيين بأن في الأمر تقهقرا، سيما إذا تذكرنا الصعوبات التي واجهت الرياضيات في سبيل التخلص منها. وهو ما يؤدي في أغلب الأحيان إلى الحكم على أن هذا الإنشاء قليل الفائدة.

وأما الذين يتعاطوْن التحليل غير القياسي فيرفضون هذه الاعتراضات. إنهم يصرون على تغيير الرؤى التي أدى إليها هذا التحليل، ويشيرون إلى الحدس والنماذج التي يمكن أن تثريها نظرا لتكيُّفها الكبير —حسب دعواهم— مع واقع العالم مقارنة بما يوفّره التحليل التقليدي. كما يرى هؤلاء أن النظر لمجموعة الأعداد الحقيقية ككيان متجانس تقابله (في التحليل غير القياسي) رؤية غير قياسية تتيح في صُلْب النظام الرقمي إمكانية التمييز بين سلم الأحجام، مما يعكس تنوّع المقاييس التي يتبناها العلم اليوم، وتعكس أيضا الحدود التي تكون حتما ضبابية بين هذه المقاييس. ومن جهة أخرى، يؤكدون على الإمكانات التي يوفّرها التحليل غير القياسي عبر لامتناهيات الصغر في نماذج متقطعة لعديد المجالات التطبيقية. ولذا يعتبرون أن هذه المكاسب تجعل من التحليل غير القياسي يستحق التبجيل.

وفي التعليم أيضا، قُدِّمَت العديد من المحاولات لتطوير مقاربات غير قياسية خاصة بتدريس مبادئ التحليل الأولى. وقد استندت تلك المحاولات على تبسيط إنشاء روبنسون، كما هو الشأن في عمل كيسلر Keisler (انظر المرجع [10]) أو هنل Henle وكليبيرغ Kleinberg (انظر المرجع [7]) أو تلك المستوحاة من المقاربة المُسلَّمية لنلسون (انظر المرجعين [5] و [14]). ولكن، كما أشار هودسون Hogdson (انظر المرجع [8]) في سياق دراسة تخص هذه الأعمال قدمها في المؤتمر الدولي السابع حول التربية الرياضياتية ICME-7 المنعقد بكيبيك (كندا)، ليس هناك من بين هذه المقاربات المبتكرة مقاربة فرضت نفسها بشكل دائم في حقل التعليم. لا شك أن حالة التهميش التي عرفها التحليل غير القياسي قد لعبت دورا سلبيا في هذا السياق. وعلينا أن نضيف أنه إذا أردنا أن نجعل من التحليل غير القياسي أداة منتجة فلا يكفي أن نتكلم عن لامتناهيات الصغر فحسب بل يجب علينا أن نتعلم كيفية التعامل مع مفاهيم وتعاريف جديدة. كما يتعيَّن التعوّد على طرق جديدة في التفكير، وإنشاء مرجعيات وتصورات مستحدثة، وعلينا أيضا تطوير سبل تحكم جديدة.

توضح هذه المقالة في الواقع ظاهرتين شائعتين في تاريخ الرياضيات والعلوم:

  • إن اندماج أفكار حدسية في النظريات الرياضياتية المتينة يمكن ألا يكون متاحا إلا بفضل اكتشافات علمية أخرى، وبعد مرور سنوات، بل قرون… عندما تتضح التصورات ويتبين أنها خصبة. كان ذلك شأن لامتناهيات الصغر بفضل تطور المنطق الرياضــــياتي خـــلال القرن العشرين، وكذا بفضل الفكرة الحدسية المتمثَّلة في مفهوم “النهاية” الذي يعتبــر مــن منطلقات التحليل القياسي، في القرن التاسع عشر، كما ذكَّرنا في مطلع هذا المقال.
  • تكمن الظاهرة الثانية في احتمال تعايش عدة تنظيرات لنفس الواقع، وهو ما يقــدم آفاقـــا مثمرة ومتكاملة تزيد في توضيح معنى هذا الحقل وتخدمه. ذاك ما نجده في حال التحليــل القياسي والتحليل غير القياسي: إنهما يوفران مقاربتين مختلفتين، لكنهما متكاملين لدراسة حقل التوابع والتحليل والتأمل في روابطه مع العالم الحقيقي.

أخيرا، نودّ التأكيد على أن الإنشاء المقدم في هذه المقالة (إنشاء التحليل غير القياسي)، ليس الوحيد لإعطاء مكانة رياضياتية للامتناهيات الصغر. فلقد توالت عديد المحاولات منذ القرن الثامن عشر (أنظر المرجع [2]). على سبيل المثال، نلاحظ أن تحليل لامتناهيات الصغر السلس، قد طَوَّرَ انطلاقا من أفكار ف. و. لاوفير F.W. Lawvere الخاصة بنظرية الفئات، إنشاءَ حديثًا آخر: عُرِّف فيه لامتناهي الصغر كعدد غير معدوم مربعه معدوم (أنظر المرجع [1]).


1 هي جملة مسلمات زرملو-فرنكل Zermelo-Fraenkel مستكملة بمسلمة الاختيار Choice.
2 مسلمة المثالية: تقول إن العبارتين التاليتين متكافئتان، من أجل كل علاقة ثنائية كلاسيكية R (يعني أن صيغتها تكتب دون استعمال رمز المُسنَد \mathrm{st}):
(1) من أجل كل مجموعة قياسية منتهية F، يوجد x بحيث، لكل y من F لدينا R(x,y)،
(2) يوجد x بحيث من أجل كل y قياسي، فإن R(x,y).
مسلمة القياسة (التوحيد): تقول إن، من أجل كل خاصية P وكل مجموعة قياسية X، يوجد جزء قياسي Y عناصره القياسية هي بالضبط عناصر X التي تحقق الخاصية P. هذه المسلمة صالحة سواء كانت P خاصية كلاسيكية أم لا.
مسلمة التحويل: تقول إن من أجل كل خاصية كلاسيكية P، P(x) صحيحة من أجل كل x إذا وفقــط إذا كانـت P(x) صحيحة من أجل كل x قياسي.
3 يكفي تطبيق مسلمة التحويل على الخاصية P(x): x \in E_1 \Leftrightarrow x \in E_2.
4 في الحالة الأولى، نطبق مسلمة المثالية في \mathbb{N} على العلاقة الثنائية x > y؛ في الحالة الثانية، نطبقها على المجموعة غير المنتهية المعتبرة في العلاقة الثنائية y \neq x.
5 في هذا الجدول، نفترض كل الأدوات (u_n), l, f, a, I قياسية.
6 في هذا النص، نفترض I, f, a, b قياسية.

المراجع

[1] Bell, J.L. (2008). A primer of infinitesimal analysis, 2nd edition. Cambridge: Cambridge University Press.

[2] Borovik, B. & Katz, M. Who Gave you the Cauchy-Weierstrass Tale? The Dual History of Rigorous Calculus. Foundations of Science 17 (2012), n°. 3, 245–276.

[3] Berkeley, G. (1734). The Analyst. http://www.maths.tcd.ie/pub/HistMath/People/Berkeley/Analyst/

[4] Benoît, E., Callot, J.L., Diener, F., & Diener. M. (1981). Chasse au canard. Collectanea Mathematica, 32.1, 38–74. http://collectanea.ub.edu/index.php/Collectanea/article/view/3537/4216

[5] Deledicq A., & Diener, M. (1989). Leçons de calcul infinitésimal. Collection U. Paris: Armand Colin.

[6] Diener, M., & Diener, F. (Eds.). (1995). Non standard analysis in practice. Berlin: Springer Verlag.

[7] Heinle, J.M., & Kleinberg, E.M. (1979). Infinitesimal Calculus. Cambridge: MIT Press.

[8] Hodgson, B. (1994). Le calcul infinitésimal. In, D.F. Robitaille, D.H. Wheeler & C. Kieran (Eds.), Choix de conférence du 7e Congrès international sur l’enseignement des mathématiques (ICME-7), pp. 157–170. Québec: Presses de l’Université Laval. http://www.mat.ulaval.ca/fileadmin/mat/documents/bhodgson/Hodgson_ICME7_1994.pdf

[9] Keisler, H.J. (1976). Elementary calculus: An infinitesimal approach. Boston: Prindle, Weber & Schmidt.

[10] Lakatos, I.: Cauchy and the continuum: the significance of nonstandard analysis for the history and philosophy of mathematics. Math. Intelligencer 1 (1978), no. 3, 151–161.

[11] Lutz, R. & Goze, M. (1982). Non standard analysis: A practical guide with applications. Springer Lecture Notes in Mathematics, vol. 881. Berlin: Springer.

[12] Marquis de l’Hôpital, G.F.A. (1696). Analyse des infiniment petits pour l’intelligence des lignes courbes. Paris: Imprimerie Royale.

[13] Nelson, E. (1977). Internal set Theory, a new approach to NSA, Bull. Amer. Math. Soc., vol. 83, no 6, 1165–1198.

[14] Robinson, A. (1996). Non standard analysis. North Holland, Amsterdam.

[15] Skolem, Th. (1934). Über die Nicht-charakterisierbarkeit der Zahlenreihe mittels endlich oder abzählbar unendlich vieler Aussagen mit ausschliesslich Zahlenvariablen. Fundam. Math. 23, 150–161.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *