كيف نركُم حبات البرتقال؟ – مخمَّنة كيبلر Kepler حول ركم الكرات

المؤلفة الأصلية: كريستيان روسو Christiane Rousseau.
الترجمة: لعزيلي سارة.

ركم حبات البرتقال
الشكل 1: حبات البرتقال المرتَّبة وفق الركم التكعيبي الممركز الأوجه.

ما هي طريقة الركم الأكثر كثافة للكرات؟ خمَّن كيبلر بأنها ستكون بنفس الطريقة المتبعة في ترتيب حبّات البرتقال التي نراها على رفوف تجار الخُضَر والفواكه، والمسماة بالركم التكعيبي الممركز الأوجه (شكل 1). قدَّم دافيد هيلبرت David Hilbert عام 1900 في المؤتمر الدولي للرياضيات محاضرة شهيرة طرح فيها 23 مسألة رياضية كانت قد وجَّهت رياضيات القرن العشرين. وتعتبر مسألة تحديد أكثف ركم للكرات —وهو ما يُدعى أيضا بمخمَّنة كيبلر— جزءا من مسألة هيلبرت الثامنة عشر. ولم يتم البرهان على هذه المخمَّنة إلا عام 1998 من قبل توماس هيلز Thomas Hales. أما تفاصيل برهانه فنشرت سنة 2006.

1. كيف نعالج مثل هذا النوع من المسائل؟

لنعتبر وضعيات مختلفة من الكرات (المملوءة) المتماثلة في الفضاء. وفي كل حالة منها نحسب كثافة الركم، أي جزء الحجم الكلي الذي تشغله الكرات. نسمي \rho_n أكبر كثافة ركم في البعد n. مما لا شك فيه أن هذه الكثافة تتعلق بشكل المنطقة المعتبرة. لذا، وتفاديا لهذا المشكل، نعتبر مناطق جدّ واسعة لدرجة تكون فيها حدودها مهملة. لقد خمَّن كيبلر، سنة 1611، أن أكثف وضعية هي التي نشاهدها على حبات البرتقال في متجر الفواكه. لكن لماذا مضى كل هذا الوقت قبل أن يتم البرهان على المخمَّنة؟ تكمن الصعوبة في وجود عدد غير منته من الوضعيات الممكنة للكرات. ففي كل مرة نختار وضعية معيَّنة، نستطيع إثبات أنها أقل كثافة أو تساوي تلك التي نراها في متجر الفواكه. المشكل المطروح هو أننا لا نستطيع وصف سوى عدد محدود من الوضعيات. وحتى عندما يتعلق الأمر بوضعية واحدة فإن حساب كثافتها قد يكون صعبا أو مستحيلا إذا ما كانت الوضعية غير دورية.

إن مشكل أكثف ركم للكرات مشكل يطرح مهما كان البعد المعتبر. وقد وجد له حل في حالة البعد الثنائي عام 1890. نلاحظ أن ركم الكرات في الأبعاد العليا لا يخلو من التطبيقات التي نخص بالذكر منها مصححات الشفرة.

إننا نواجه بدءًا من البعد الثنائي نفس العقبتين: لا نستطيع تعداد كل الوضعيات، كما أنه لا يمكن لبعضها أن يكون دوريا. لنبيِّن كيف يمكننا معالجة هاتين العقبتين وكيف أن الركم الموضح في الشكل 2 (ب) هو الأكثف كثافة على الإطلاق. بعد ذلك سنشرح الصعوبات التي تواجهنا في تعميم البرهان على حالة البعد الثلاثي. وأخيرا ننهي عرضنا ببعض النقاش حول الأبعاد العليا.

طريقتان لتعبئة منطقة من المستوي بأقراص
الشكل 2: طريقتان لتعبئة منطقة من المستوي بأقراص.

2. في البعد 2

نعتبر ركمين للأقراص كما هو موضح في الشكل 2. إنه من السهل حساب جزء المساحة لكل مربع من الشكل (أ) المغطى بأجزاء من الأقراص. كما يسهل حساب جزء المساحة لكل مثلث من الشكل (ب) المغطى بأجزاء من الأقراص. وينتج عن هذا الحساب أن الركم الثاني أكثر كثافة. ذلك أن للركم (أ) كثافة قدرها \dfrac{\pi}{4} = 0{,}7853، أما الركم (ب) فكثافته هي

    \[\rho_2 = \frac{\pi}{2\sqrt{3}} = 0{,}9069.\]

من أجل كل ركم دوري، يمكن البرهان على أن لديه كثافة أقل من تلك الموضحة في الشكل 2 (ب).

لكن كيف يمكننا إثبات أن هذا هو الحال من أجل أي ركم آخر؟

إليكم فكرة ذكية لصاحبها الرياضياتي النرويجي آكسل ثيو Axel Thue (عام 1890). نقسم المستوي إلى مناطق ونثبت أن الكثافة في كل منطقة أقل من \rho_2 = \dfrac{\pi}{2\sqrt{3}} أو تساويه. فبالنظر للشكل 3، نلاحظ وجود ثلاثة أقراص لا يمكن أن تكون أقرب من بعضها البعض أكثر مما هي عليه. لنُلْقِ الآن نظرة على المثلث الذي رؤوسه هي مراكز هذه الأقراص. داخل هذا المثلث توجد منطقة صغيرة غير مغطاة بالأقراص. لكنها ستملأ المثلث بشكل كامل إذا قمنا بتكبيرها بمعامل c = \dfrac{2}{\sqrt{3}}، وهو أصغر معامل يحقق هذا الشرط.

المنطقة الصغيرة بين ثلاثة أقراص متماسة
الشكل 3: المنطقة الصغيرة بين ثلاثة أقراص متماسة.

نستعمل هذه الحيلة لتقسيم المستوي إلى مناطق مناسبة. نعتبر تجزئة للمستوي بواسطة أقراص ذات نصف قطر r. ثم نغطي كل قرص منها بقرص آخر نسميه “القرص الكبير” له نفس المركز ونصف القطر R = cr. يمكننا الآن تعريف مناطقنا الثلاث. المنطقة الأولى هي متممة اتحاد الأقراص الكبيرة التي من الواضح أن كثافتها تساوي 0. إن تداخل أو عدم تداخل الأقراص الكبيرة يعتمد أساسا على المسافة الموجودة بين مراكزها، فينجم عن تداخلها تقاطع حوافها الدائرية. وعندما نصل نقاط هذا التقاطع بمراكز الأقراص نكون قد قمنا بعملية تقسيم الأقراص الكبيرة إلى قطاعات نميِّز منها نوعين:

نوعان من المناطق ذات كثافة غير معدومة
الشكل 4: نوعان من المناطق ذات كثافة غير معدومة.
  • قطاعات لا يتداخل فيها القرص الكبير مع أي قرص كبير آخر (انظر الشكل 4 (أ)). تكون الكثافة في كل قطاع \dfrac{1}{c^2} = \dfrac{3}{4}.
  • قطاعات تتداخل فيها الأقراص الكبيرة كما في الشكل 4 (ب). نرتبها مثنى مثنى كما هو موضح في الشكل. يشكِّل اتحاد القطاعين معيَّنًا حيث لا نحتاج سوى للكثافة الموجودة داخله. أما عدم تداخل الأقراص فيترتب عنه أن تكون المسافة بين مراكزها 2r على أقل تقدير. تبيِّن العمليات الحسابية أن أكبر زاوية للقطاعات هي \dfrac{\pi}{3}. لتكن \theta زاوية القطاع. نلاحظ أن الكثافة داخل المعيَّن تتعلق بـ \theta: وهي معطاة بحاصل قسمة مساحتي قطاعي الأقراص على مساحة المعيَّن. تبلغ مساحة كل قطاع قرص \dfrac{r\theta}{2}. وبالتالي مساحة المعين المغطى بالأقراص هي r\theta. أما مساحة معيَّن طول ضلعه R وزاويته \theta فنحصل عليها بتقسيم هذا المعيَّن إلى مثلثات، وهي تساوي: 2R \sin\dfrac{\theta}{2}\cos\dfrac{\theta}{2} = R\sin\theta. وتكون الكثافة

        \[\mu(\theta) = \frac{r^2 \theta}{R^2 \sin\theta} = \frac{3\theta}{4 \sin\theta}.\]

    يكفي دراسة الدالة \mu(\theta) على \left[0, \dfrac{\pi}{3}\right] لملاحظة أنها تبلغ قيمتها العظمى من أجل \mu\left(\dfrac{\pi}{3}\right) = \rho_2 = \dfrac{\pi}{2\sqrt{3}}. بالفعل، \mu'(\theta) = \dfrac{3}{4} \dfrac{\tan\theta - \theta}{\sin^2\theta \cos\theta} > 0 لأنّ \tan\theta > \theta.

إن هذا البرهان بالغ الجمال. دعنا نفصل بعض مميزاته.

إن أفضل كثافة هي \rho_2. وهي أيضا أفضل كثافة محلية على كل مناطق المستوي المعتبرة.

هناك طريقة أخرى لتجزئة المستوي إلى مناطق تتمثل في مخطط فورونوي Voronoï لمجموعة مراكز الأقراص. فباعتبار مجموعة S مكونة من نقاط المستوي يكون مخطط فورونوي لها هو تجزئة المستوي إلى مناطق ترفق كل واحدة منها بنقطة P من S بحيث تكون المنطقة المرفقة بهذه النقطة هي مجموعة النقاط الأقرب من المستوي من P أكثر من أيٍّ نقطة أخرى P' من S. تدعى هذه المناطق خلايا فورونوي. إذا كان محور قطعة مستقيم [PP'] هو المحل الهندسي للنقط المتساوية البعد عن نقطتين P و P' فلن يكون من المفاجئ أن يبدو مخطط فورونوي لمجموعة من النقط كما في الشكل 5. فيكون الضلع المشترك بين خليتي فورونوي متجاورتين قطعةً من محور نقطتين من S مرفقتين بهاتين الخليتين.

مخطط فورونوي
الشكل 5: مخطط فورونوي يرفق بكل نقطة من S خليّة.

إذا كان لدينا ركم للأقراص فبإمكاننا مباشرة ملاحظة مخطط فورونوي لمجموعة نقاط مراكز الأقراص. إذا عدنا مجددا إلى مثالي الشكل 2 نلاحظ من الجهة اليمنى أن خلايا فورونوي هي عبــارة عن مربعات. أما من الجهة اليسرى فهي سداسيات وكثافة كل قرص داخل خليته الفورونوية تــساوي تماما \rho_2. نشير إلى أننا إذا أحطنا قرصا معلوما بأقراص ذات نفس نصف القطــر دون أن تتــداخل فستكون خلية فورونوي ذات أدنى مساحة هي السداسي المحيط.

3. في البعد 3

1.3 صعوبة المسألة

من الطبيعي أن نحاول سحب هذه النتيجة على الحالة ثلاثية الأبعاد حيث نعرف مخطط فورونوى تماما كما فعلنا سابقا. أما عن خلاياه المغلقة فنعتبرها عديدات أوجه محدَّبة. وإذا قمنا بتغليف كرة بأغلفة كرات ماسة لها فإنه يمكن وضع 12 منها. لكن خلافًا لحالة البعد 2 فإنه يبقى فضاء فارغا حول الكرة. نستطيع محاولة تغيير وضعية الـ 12 كرة الماسة قصد التأكد مما إذا كان بالإمكان إضافة كرة ثالثة عشر. لقد أثبت توماس هايلز أن ذلك أمر مستحيل. بينما توجد العديد من الطرق المختلفة لتموضع 12 كرة ماسة لكرة معلومة علما أنها لا تنتج خلايا فورونوي متساوية الحجم! تقوم أفضل طريقة لتصغير حجم خلايا فورونوي على اعتبار أن كل كرة ماسة تمس الكرة الأصلية في رأس من رؤوس الإثنى عشري السطوح الذي تحيط به الكرة الأصلية (شكل 6 (أ)). ظهر هذا التخمين في أربعينيات القرن الماضي من طرف فيجر توث Fejer Toth. أما برهانه فكان عام 1999 على يد طالب لم يكن بعد متخرجا، يدعى سين ماكلوغلين Sean McLaughlin!

ومن ثمَّ، فخليّة فورونوي للكرة هي اثني عشري سطوح محيط بها. باستطاعتنا حساب كثافة الكرة داخل خلية فورونوي الخاصة بها.

إنها أقل كثافة من ركم حبات البرتقال بمتاجر الفواكه!
لكن هل يمكننا الحصول على أفضل من هذا الركم؟

لا!

لماذا؟ لأنه من المستحيل تعبئة الفضاء بواسطة إثني عشريات سطوح لا تتداخل ولو جزئيا: إذ لابد أن تتكون فراغات بينها مما يجعل الحالة ثلاثية الأبعاد أصعب بكثير من الحالة الثنائية البعد. وهذا لعدم مطابقة الحل الأمثل المحلي للحل الأمثل العام.

بالنسبة للحل الأمثل الذي سندرس هندسته في الجزء الموالي، يجب علينا وضع مراكز الكرات على نقاط نظام بلَّوري تكعيبي. ستكون خلايا فورونوي الموافقة لها هي إثنا عشريات سطوح أوجهها معيَّنات (أنظر الشكل 6 (ب)).

إثنا عشري السطوح وإثنا عشري السطوح المعيَّناتي
الشكل 6: إثنا عشريّ السطوح وإثنا عشري السطوح المعيَّناتي.

يمكن للإثني عشريات السطوح المعيَّناتية (أي أن أوجهها معينات) تبليط الفضاء بطريقة منتظمة، وقد تم رصد ذلك في علم البلورات.

استكمل برهان أمثلية الركم توماس هايلز بمساعدة تلميذه ساموييل فرغيسون Samuel Ferguson سنة 1998 (نُشر البرهان الكامل سنة 2006). يعتبر هذا البرهان المدعم ببرمجيات معلوماتية نجاحا مثيرا حقًّا. وعلى الرغم من أنه لا يمكن محاكاة برهان الحالة ثنائية البعد فإن الجوهر يبقى نفسه: يقوم البرهان على تجزئة الفضاء إلى عدد منته من المناطق المختلفة الأنواع، ثم حساب كثافة كل نوع منها. هذا البرنامج (الضخم) متوفِّر على شبكة الانترنت للذين يرغبون في دراسته أو التأكد منه.

2.3. هندسة الركم الأمثل

دعنا نتخيَّل تبليطا للفضاء ثلاثي الأبعاد بواسطة مكعبات. نضع كرات بحيث يكون مركز كل منها في رأس من رؤوس كل المكعبات. وعلى كل وجه من وجوه كل مكعب نضع كرة يكون مركزها هو مركز الوجه كما هو مبيَّن أدناه.

مراكز الكرات لنظام بلوري مكعب
الشكل 7: مراكز الكرات لنظام بلوري مكعب.

نختار أن يكون نصف قطر الكرات بطول يجعلها تتماس. ولذا، إذا كان a طول حرف المكعب، فمن الواضح اعتمادا على الشكل 7 (ب) أن يكون طول نصف قطر الكرات r = \dfrac{a\sqrt{2}}{4}.

ونتيجة لهذا، يمكننا حساب كثافة الركم. بالفعل، فمن أجل كل كرة مركزها في رأس من رؤوس المكعب سيكون ثُمنُها داخل هذا الأخير، وبما أنه توجد ثمانية رؤوس نحصل باستعمال الجمع على حجم كرة واحدة. ومن أجل كل كرة مركزها هو مركز وجه من أوجه المكعب فإن نصف حجمها يكون محتوى داخله. وبما أن لدينا ستة أوجه، سنحصل بالجمع على حجم ثلاث كرات. بناءً على هذا، فإن الكثافة هي حجم أربع كرات مقسومة على حجم المكعب حيث حجم كل كرة هو V_1 = \dfrac{4}{3}\pi r^3 وحجم المكعب هو V_2 = a^3 = 16\sqrt{2}\, r^3. ومن ثمّ فالكثافة هي

    \[\rho_3 = \frac{4 V_1}{V_2} = \frac{\pi}{3\sqrt{2}} = 0{,}7405.\]

كيف يمكننا تحقيق هذا الركم؟ تماما كما نفعل عند ركم حبات البرتقال: نضع أولا طبقة مستوية من الكرات كما في الشكل 2 (ب). ثم فوقها نضع طبقة ثانية منسحبة عن سابقتها (في حالتنا هذه، الانسحاب يكون نحو الأعلى من الجهة اليمنى). نضع ثالث طبقة فوق الثانية مستعملين نفس الطريقة في الانسحاب، إلخ. يدفعنا ذلك إلى طرح السؤال: هل يمكننا تغيير اتجاه الانسحاب بين مختلف الطبقات، دون أن نغيِّر من الكثافة؟ نعم، يمكن ذلك، لكن هذه المرة سوف لن تكون شبكة مراكز الكرات هي نقاط النظام البلَّوري التكعيبي. مما يعني أن الركم الذي يعطي أعلى كثافة ليس وحيدا.

ليس من البديهي أن يطابق الركم العادي لحبات البرتقال النظام البلوري التكعيبي (الممركز الأوجه). فبالنظر إلى الشكل 7 (ب)، نلاحظ ضرورة وجود مستقيمات متعامدة تتموضع عليها مراكز الكرات الواقعة على استقامة واحدة. إن إدراك وجود هذه المستقيمات في الركم العادي للبرتقال وإدراك أن لا وجود لمستقيم أفقي من بين تلك المستقيمات، يَعتبر تمرينا جيدا في القدرة على الملاحظة البصرية. في حقيقة الأمر، نلاحظ أن مستوي الشكل 2 (ب) هو مستوي مائل يمرّ بمراكز أوجه ثلاثة مجاورة لنفس رأس المكعب الموضح في الشكل 7 (أ). أما في الشكل 8 فإننا نمثَّل ركمًا لأربع طبقات كما هو مبيَّن في الشكل 2 (ب)، الواحدة فوق الأخرى. وأما المستقيمان الماران بمراكز الكرات فهما متعامدان.

أربع طبقات من الكرات
الشكل 8: أربع طبقات من الكرات من الشكل 2 (ب)، طبقة فوق طبقة ومستقيمان متعامدان يمرّان بمراكز كرات توجد على استقامة واحدة.

4. نحو آفاق أخرى

1.4. تطبيقات في علم البلورات

لقد طُرح سؤال أكثف ركم للكرات من طرف توماس هاريوت Thomas Harriot على جوهانس كيبلر Johannes Kepler في نهاية القرن السادس عشر. وفي ذلك الوقت كان هاريوت واثقا من وجود الذرات وكان مهتما بكيفية تموضعها حول بعضها البعض. فعندما يكون ترتيب الذرات في مادة منتظما يصفها الكيميائيون بأنها بلَّورية. إن المواد الثقيلة مثل المعادن غالبا ما تكون ذراتها مرتبة وفق ركم تكعيبي ممركز الأوجه. ومن بين الركوم المنتظمة الأقل كثافة. هناك ترتيبات منتظمة أقل كثافة. ومن بين الركوم المنتظمة الأقل كثافة الركم التكعيبي البسيط الذي تقع فيه الذرات في رؤوس المكعبات. يوجد عنصر كيميائي وحيد يتمتع بهذه الخصائص الذرية، وهو المسمى بالبولونيوم polonium المشعّ. (للاستزادة أنظر المرجع [4]).

2.4. الركم العشوائي

إذا قمتم بترتيب حبات البرتقال بعناية داخل صناديق كبيرة مستعملين الركم التكعيبي الممركز الأوجه الموضح أعلاه، فستحصلون على كثافة \rho_3 = \dfrac{\pi}{3\sqrt{2}} = 0{,}7405. في المقابل، إذا كنتم على عجلة من أمركم وقمتم فقط برمي الحبات داخل الصندوق، فما هي الكثافة المحصل عليها؟ ذلك ما يسمى بالركم العشوائي. لا جدال في أننا لن نحصل أبدا على نفس الكثافة. أما إذا قمتم بخضِّ الصندوق فستقومون حتما برفع الكثافة داخله. لكن إلى أي مدى سيتحقق هذا التحسن في الكثافة؟ أثبتت التجارب أن الكثافة تتراوح بين النسبتين 55\% (ركم عشوائي رخو) و 63\% (ركم عشوائي متراص) كنسبة عظمى. كانت دراسة هذه النهاية العظمى موضوع مقالة صدرت عام 2008 في مجلة Nature بقلم سونج Song، ووانغ Wang وماسك Maske [3].

3.4. ركم كائنات أخرى عوضا عن الكرات

هل بالإمكان الحصول على كثافة أعلى من \rho_3 إذا استبدلنا على سبيل المثال الكرات بمجسمات ناقصية؟ يبيِّن المقال [1] في المراجع أن كثافة الركم العشوائي المتراص للمجسمات شبه الكروية مثل حلويات M & M يمكن أن تتراوح بين 0{,}68 و 0{,}71، وأن الكثافة بالنسبة لبعض المجسمات الناقصية —مع نسب معينة بين أطوال محاور القطع الناقصية— يمكن أن تصل إلى 0{,}74. إن كثافات الركوم العشوائية بالغة الأهمية في الصناعة عندما تكون تعبئة المنتوجات المتماثلة الشكل (مثل الحلويات وأقراص الدواء) تتم بصفة آلية، سيما أن الكثافة يمكن أن تتغير أثناء عملية النقل.

4.4. كلمة حول الأبعاد العليا…

في الأبعاد العليا، تُعرف الركوم المنتظمة بالكرات الزائدية (الكرة المتعددة الأبعاد) الأكثر كثافة إلى غاية البعد الثامن، ونحن لا نعلم إلا القليل عن الركوم غير المنتظمة.

من بين تطبيقات ركم الكرات في الأبعاد العليا ابتكار مصحح الشفرات. يقوم مبدأ عمله على تشفير الأحرف أو الكلمات بواسطة متتاليات من الرموز تدعى كلمات التشفير، والتي تختلف عن بعضها البعض على الأقل بـ 2r رمزا. إذا ظهر أقل من r خطأ أثناء تحويل كلمة تشفير فإنه توجد على الأكثر كلمة تشفير واحدة لا تفوق مسافتها عن الكلمة المحصل عليها الطول r، وبالإمكان التصحيح في هذه الحالة. تُحوِّل مصححات الشفرة التي تستعمل الركوم الكروية أحرفَ الكلمة إلى إحداثيات مراكز كرات لا تتداخل. إذا كان نصف قطر الكرات هو r فمن الممكن تصحيح أقل من r خطأ.

5.4. الأسئلة التالية…

حان دوركم لطرحها. فكما سبق وأن شاهدتم، هناك الكثير من الأسئلة البسيطة ذات التطبيقات المهمة والتي نشرت أجوبتها المعقدة في بعض أبرز المجلات العلمية مثل Nature، Science، Annals of Mathematics.

5. توثيق البرهان باستعمال برمجيات الحاسوب

يبيِّن البرهان على أن كثافة ركم الأقراص الأكثر كثافة في الحالة ثنائية البعد تساوي \rho_2 = \dfrac{\pi}{2\sqrt{3}}، أنه من الممكن إيجاد إثباتات متينة تحتوي على نتائج على عدد غير منته من الحالات التي ينبغي تحليلها. إنه الدليل على أن كل منكم قادر على أن يتحقق من ذلك. لكن من يمكنه التحقق من أن \rho_3 = \dfrac{\pi}{3\sqrt{2}}؟ يتعلق الأمر ببرهان ضخم يضم عددا من الحالات يُقدر بـ 5000 حالة جدّ معقدة لدرجة أن كل حالة منها تستوجب استعمال الحاسوب لمعالجتها بحجم إجمالي 3 جيغا بايت من رموز المعلوماتية. من المؤكد أن الشفرة عمومية، لكن واضعيها قضوا عدة سنوات لإنشائها. فمن يا تُرى لديه متسع من الوقت والمهارة للخوض في كل التفاصيل؟ لا ريب في وجود استراتيجيات تجعلنا نقلل من الأخطاء، وقد استخدم هيلز وسولومون Solomon العديد منها. على سبيل المثال، كتب المؤلفان البرنامج بالتوازي، كل منهما على حدة. ويمكن تنفيذ هذا البرنامج على حواسيب مختلفة مزوّدة بمعالجات وبرامج مجمَّعة ومتنوعة. كما يمكن للوتيرات (أو “الروتينات” routines) الفرعية استخدام وحدات أقدم تم اختبارها خلال سنوات، إلخ.

ورغم ذلك ظلت هذه البراهين مثيرة للجدل ولم تتقبلها الأسرة العلمية إلا بعد سلسلة طويلة من القرارات. في حالة برهان مخمَّنة كيبلر، لم يظهر البرهان (المختصر) إلا سنة 2005 في مجلة Annals of Mathematics، إحدى أرقى المجلات الرياضياتية. إلا أن علماء الرياضيات لا يزالون قيد البحث عن براهين أكثر “رياضياتية”. وبالموازاة مع هذا تعكف مجموعة من الرياضياتيين والباحثين المعلوماتيين النظريين على التنقيب عن براهين مهيكلة، أي براهين يمكن أن يتم التحقق من كل خطوة منطقية فيها باستخدام الحاسوب. مثال ذلك: فهدف مشروع “فلايسبيك” Flyspeck هو بناء برهان مهيكل لمخمَّنة كيبلر:

http://code.google.com/p/flyspeck/wiki/FlyspeckFactSheet

إن أولى أكبر النظريات التي تم إثباتها باستعمال الحاسوب هي نظرية الألوان الأربعة القائلة بكفاية أربعة ألوان لتلوين أية خريطة بدون أن يكون لمنطقتين متجاورتين نفس اللون. أُثبتت هذه النظرية سنة 1976 من قبَل كانث آبل Kenneth Appel وولفؤنغ هاكن Wolfgang Haken. وفي ذلك الوقت يبدو أن مجلة Annals of Mathematics عارضت هذا البرهان لكونه كان مدعَّما بالحاسوب. لكن الزمن تغيَّر وأحدث الحاسوب ثورة في التعاطي مع الرياضيات.

المراجع

[1] A. Donev, I. Cisse, D. Sachs, E. Variano, F. H. Stillinger, R. Connelly, S. Tarquato & P. M. Chikin, Improving the density of jammed disordered packings using ellipsoids, Science, 303 (2004), 990–993.

[2] T. Hales, Cannonballs and honeycombs, Notices of the American Mathematical Society, 47 (2000), 440–449.

[3] C. Song, P. Wang et H. A. Maske, A phase diagram for jammed matter, Nature, 453 (2008), 629–632.

[4] G. C. Szpiro, Kepler’s conjecture, John Wiley & Sons, Inc., 2003.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *