مقدمة
هناك بعض الأسئلة المرافقة لتطور الرياضيات عبر الحضارات والعصور. وأحد هذه الأسئلة هو: كيف نجد كمية مجهولة
نعرف عنها بعض العلاقات، علما أن هذه الأخيرة تكتب وفق رموز رياضيات اليوم على النحو :
![]()
كانت طريقة إيجاد حلول مثل هذه المعادلات التربيعية معروفة الخطوات منذ العصور البابلية، وهي أساس محتويات الرياضيات المدرسية :
![]()
لكن ماذا عن المعادلة
التي تبدو مختلفة قليلا عما سبق ذكره؟ هل توجد أيضا طرق مباشرة لحساب حلولها؟ هل تبدو هذه الحلول متناظرة بطريقة مماثلة لحلي المعادلة السابقة؟
لقد ألهم السعي إلى حل المعادلات علماء الرياضيات، وأدى بهم إلى ابتكار (البعض يفضل لفظ “اكتشاف” بدل “ابتكار”) مفاهيم جديدة مثل الأعداد السالبة، والحقيقية، والعقدية. غير أن حل معادلة كثيرة الحدود، كما هو حال المعادلة
، طرح مشاكل عويصة ظلت قائمة طيلة خمسة قرون. لِمَ هي بالغة الصعوبة؟
دعونا نقوم بعملية “غش” خلال لحظات ونطرح السؤال على برنامج “نظام الجبر الحاسوبي” Computer Algebra System (CAS)، الذي يستعمل بطبيعة الحال ما هو متداول في موضوع حل المعادلات. نلاحظ أن الحرف
أدناه يشير إلى مجموعة حلول المعادلة التي تسبقه :
* حل المعادلة :
![]()
![]()
* حل المعادلة :
![]()
![Rendered by QuickLaTeX.com \[L = \left\{ -\sqrt{\frac{1}{2}(5-\sqrt{13})}, \; \sqrt{\frac{1}{2}(5-\sqrt{13})}, \; -\sqrt{\frac{1}{2}(5+\sqrt{13})}, \; \sqrt{\frac{1}{2}(5+\sqrt{13})} \right\}.\]](https://blog.kleinproject.org/wp-content/ql-cache/quicklatex.com-1578933483375454de8653aa86cb53c6_l3.png)
* حل المعادلة :
![]()
![Rendered by QuickLaTeX.com \[L = \left\{ 1, \; \frac{1}{3}\left( -1 - 2\left(\frac{2}{115+3\sqrt{1473}}\right)^{1/3} + \left(\frac{1}{2}(115+3\sqrt{1473})\right)^{1/3} \right), \right.\]](https://blog.kleinproject.org/wp-content/ql-cache/quicklatex.com-f6d222c1bc003b170d244b6b38aeeb40_l3.png)
![]()
![Rendered by QuickLaTeX.com \[\left. -\frac{1}{3} + \frac{1}{3}(1-i\sqrt{3})\left(\frac{2}{115+3\sqrt{1473}}\right)^{1/3} - \frac{1}{6}(1+i\sqrt{3})\left(\frac{1}{2}(115+3\sqrt{1473})\right)^{1/3} \right\}.\]](https://blog.kleinproject.org/wp-content/ql-cache/quicklatex.com-8ac9a5a7cb5d6d3ca766c460593dea16_l3.png)
* وأخيرا، حل المعادلة
![]()
نلاحظ هنا أن البرنامج “نظام الجبر الحاسوبي” (CAS) يخبرنا بعدم وجود حل !
ما الذي حدث في المسألة الأخيرة؟ لماذا أدى هذا التغيّر الذي يبدو طفيفا في المعادلة إلى مثل هذه المشاكل الشائكة في وضعية الحلول؟ ما هي بنية المعادلة التي تقرر في آخر المطاف ما إذا كان الحل موجودا أو أنه بالغ التعقيد؟ الإجابة على هذه الأسئلة هي: يتعلق كل ذلك بتناظر المعادلة! لكن السؤال الآن : ما معنى التناظر في المعادلات؟
نشير إلى أن المحاولات عبر التاريخ الساعية إلى إيجاد طريقة حل عامة للمعادلات كثيرات الحدود قد أدت في النهاية إلى تحوّل الجبر الكلاسيكي (مثل فن حل المعادلات) إلى الجبر الحديث (مثل تحليل البنية والتناظر). وبلغ تطوّر هذه الدراسات أوْجَهُ بظهور عمل إيفاريست گالوا Evariste Galois (1811–1832). نحاول في هذا المقال تقديم جوهر أفكار گالوا التي غيّرت وجه الجبر دون الغوص كثيرا في الجانب التقني، وذلك باستعراض أمثلة تسلط الضوء على ما يعنيه النظر في البنية والتناظر عندما يتعلق الأمر بمحاولة حل المعادلات.
ما هو التناظر في المعادلة؟
عند النظر في حلي المعادلة التربيعية
، وهما :
![]()
فإننا نكتشف نوعا من التناظر بالنسبة للكمية
. لاحظ أن هذه الكمية ليست أبدا عددا ناطقا. الرغم من أن معاملات المعادلة ناطقة. كان ينبغي أن يُنشَأ
لإضافته إلى أعداد ناطقة بحتة والحصول في آخر المطاف على صيغة كتابة الحل. (بلغة الرياضيات الحديثة، يسمى ذلك امتدادَ أو توسيعَ الحقول : لقد تم هنا توسيع حقل الأعداد الناطقة
إلى الحقل الأوسع منه
).
كما يمكن كتابة تناظر الحلول من دون الاستخدام الصريح لكميات إضافية، فنكتفي بكتابة “العلاقتين الناطقتين” التاليتين (أي علاقات تستخدم معادلات لا تظهر فيها سوى الأعداد الناطقة وعمليات ناطقة عليها) :
![Rendered by QuickLaTeX.com \[\begin{cases} x_1 + x_2 = -2, \\ x_1 \cdot x_2 = 3. \end{cases}\]](https://blog.kleinproject.org/wp-content/ql-cache/quicklatex.com-6c0836d5a51ed0cf5079679cd1e4dba7_l3.png)
تربط هاتان العلاقتان الحلين بطريقة متناظرة: إن تبادل الحلين
و
(نعبّر عن ذلك التبادل بالرمز
، بل الأوجز من ذلك والأكثر شيوعا في الرياضيات هو الرمز :
) يحافظ على العلاقتين المذكورتين. نمثل هذا التناظر المحوري بالشكل التالي :
أما المعادلة
فتؤدي إلى وضع مختلف :
![]()
نلاحظ أن الحلين لا يحتاجان إلى كميات إضافية، ويسمحان بالحصول على علاقات ناطقة إضافية بينهما، مثل :
![Rendered by QuickLaTeX.com \[\begin{cases} x_2 + 5 = 0, \\ x_1 - 1 = 0, \\ 5x_1 + x_2 = 0. \end{cases}\]](https://blog.kleinproject.org/wp-content/ql-cache/quicklatex.com-ecc8f09dc3097a0404ade62afd6a74c1_l3.png)
تؤدي هذه العلاقات إلى وضعية أقل تناظرا ما بين الحلين (يمكن أن نسميها “تعطّل جزئي للتناظر”) : العلاقات لا تصح عند تبادل
و
. الشكل التالي يعاني من نفس “التعطل” : الدائرتان المختلفتان (إحداهما منفردة، والأخرى مزدوجة) تشيران إلى أن الحلين غير قابلين للتبادل بعد الآن.
كل هذا قد يبدو بديهيا وبيّنا، ولا يزال من الصعب رؤية التناظر من الزاوية المناسبة لنستطيع الاستفادة منه في موضوع فهم مبادئ حل أية معادلة لكثيرات الحدود. وهذا لن يكون متاحا حتى ننتقل إلى حالة أقل بداهة. لهذا السبب سننظر إلى نوع خاص من المعادلات من الدرجة الرابعة، وهي المعادلات التي تسمى بالمعادلة التربيعانية biquadratic (فمن جهة، هي بسيطة الحل بأدوات الرياضيات المدرسية، حتى بدون استخدام الأعداد العُقدية، ومن جهة أخرى سوف تكشف لنا عن سلوك معقد لعامل التناظر).
لنعتبر في البداية، المعادلة التربيعانية العامة :
![]()
من خلال كتابة المعادلة في شكل جداء عوامل :
![]()
نستطيع أن نرى بأن الحلول الأربعة تحقق بالضرورة العلاقات التالية:
![Rendered by QuickLaTeX.com \[\begin{cases} x_1 x_2 x_3 x_4 = b, \\ x_1 x_2 x_3 + x_1 x_2 x_4 + x_1 x_3 x_4 + x_2 x_3 x_4 = 0, \\ x_1 x_2 + x_1 x_3 + x_1 x_4 + x_2 x_3 + x_2 x_4 + x_3 x_4 = a, \\ x_1 + x_2 + x_3 + x_4 = 0. \end{cases}\]](https://blog.kleinproject.org/wp-content/ql-cache/quicklatex.com-50ba19a59a7f8d456ef6a1fa49a3941a_l3.png)
نلاحظ أن هذه المعادلات الأربع متناظرة بالنسبة لأي تبديل لحلولها الأربعة. هذا التناظر يطابق زمرة التناظر لرباعي السطوح، التي تشمل جميع الدورانات والتناظرات المحورية. (يستحسن فيما بعد أن نضع رباعي الوجوه في موقع غير مألوف كأن يكون باستطاعتنا النظر إليه من فوق حرف من حروفه).
لكن المعادلة التربيعانية لها بنية إضافية تفيد بأن الحلول الأربعة تظهر في زوجين. لنعتبر، على سبيل المثال، المعادلة (غير المجردة) التالية حيث يشكل
و
زوجا، بينما يشكل
مع
الزوج الثاني :
![Rendered by QuickLaTeX.com \[\begin{cases} x^4 - 6x^2 + 2 = 0, \quad x_{1,2,\,3,4} = \pm\sqrt{3 \pm \sqrt{7}}, \\ x_1 + x_2 = 0, \quad x_3 + x_4 = 0. \end{cases}\]](https://blog.kleinproject.org/wp-content/ql-cache/quicklatex.com-5d1ff84af979585e968c69033c529b73_l3.png)
تم الحفاظ على هذه العلاقات عند إخضاعها لتبديلات “تحترم” الأزواج، مثل
أو
، لكنها تحترم أيضا الأزواج :
أو
، أو
، أو
أو
.
بالاختزال الرياضي يمكن كتابة
،
،
،
،
،
و
.
الشكل المرسوم أمام المعادلة أعلاه يمثل هذه الوضعية: المزاوجة بين الرؤوس المتقابلة يختصر تناظر رباعي الوجوه السابق فيجعله لا يسمح إلا بالدورانات والتناظرات المحورية التي تحافظ على الأزواج دون غيرها.
بضرب الحلول فيما بينها، نجد :
![]()
بل من الممكن أن نستخرج علاقات جديدة مثل :
![]()
زمرة گالوا للمعادلة
تسمى زمرة التبديلات التي تحافظ على كل “العلاقات الناطقة” بين حلول معادلة زمرةَ گالوا Galois لتلك المعادلة. نلاحظ لحد الساعة أنه يمكننا التأكد من أن زمرة گالوا
للمعادلة محتواة في الزمرة ثنائية الزاوية dihedral
:
![]()
(في الواقع، يمكن إثبات أن هناك مساواة بين
و
).
إن أثر فقدان التناظر في العلاقات ظاهر بالفعل في رباعي الأسطح أعلاه، حيث أدخلت فيه العلاقات للدلالة على انقطاع التناظر بتحديد حافتين. نلاحظ أن الدوران حول محور باعتبار مثلث مثل
لم يعد ممكنا الآن.
دعونا ننظر إلى معادلة تربيعانية أخرى. “الجذور المتداخلة” هذه المرة تتلاشى بسبب قيم معينة للمعاملات :
![]()
من بين العلاقات الناطقة التي تعبر عن البنية الخاصة للمعادلة، نذكر :
![Rendered by QuickLaTeX.com \[\begin{cases} x_1 + x_2 = 0 \,,\; x_3 + x_4 = 0, \\ x_{1,2}^2 - 3 = 0, \;\; x_{3,4}^2 - 2 = 0. \end{cases}\]](https://blog.kleinproject.org/wp-content/ql-cache/quicklatex.com-90c7f6ad7b4f06c9e378d3547281d053_l3.png)
هذه المرة، نفقد التناظر أكثر مما سبق : لا يمكن أن يتم تبادل الزوجين فيما بينهما لأنهما يحققان علاقات ناطقة تستبعد كل منها باقي العلاقات. وبالتالي يمكننا التأكيد على أن زمرة گالوا
للمعادلة محتواة فيما يسمى بـ”زمرة كلاين” “Klein Group” أو “الزمرة الرباعية لكلاين” “Klein Four-Group”
:
![]()
(نعم، سُميت كذلك بعد أن أطلق عليها فيليكس كلاين Klein في البداية اسم “فييرغروب” “Vierergruppe” “الزمرة الرباعية” ضمن المقال الشهير [5] في المراجع). يوضح الشكل مرة أخرى انهيار التناظر : الزوج في الرأس المتصل عبر خط سميك لا يمكن الآن تبادله مع الزوج الآخر.
عند الانتقال إلى الخطوة الموالية، من السهل أن نتصوّر كيف يمكن أن نفقد التناظر :
![Rendered by QuickLaTeX.com \[\begin{cases} x^4 - 4x^2 + 3 = 0 = (x-1)(x+1)(x^2-3), \quad x_{1,2,3,4} = \pm\sqrt{2 \pm \sqrt{1}} = \pm\sqrt{2 \pm 1}, \\ x_{1,2}^2 - 3 = 0, \quad x_3 + 1 = 0, \quad x_4 - 1 = 0. \end{cases}\]](https://blog.kleinproject.org/wp-content/ql-cache/quicklatex.com-bd30d8934deccaa20fb36f3d8250599e_l3.png)
يُردّ التناظر إلى
. وبطريقة مماثلة نلاحظ في الشكل أن من بين التبادلات الممكنة، هناك تبادل أزواج واحد يترك هذا الشكل بدون تغيير.
ثمة وضعيتان أقل بداهة وأكثر أهمية يمكن أن يحدثا أيضا. تحتوي المعادلة التالية :
![]()
على بعض الخواص التي تسمح بالحصول على علاقات لم تظهر لنا قبل الآن :
![Rendered by QuickLaTeX.com \[\begin{cases} x_1 x_3 = \sqrt{2+\sqrt{3}}\,\sqrt{2-\sqrt{3}} = \sqrt{4-3} = 1 \\ x_1 x_4 - 1 = 0,\; x_1 x_4 + 1 = 0,\; x_2 x_3 + 1 = 0,\; x_2 x_4 - 1 = 0 \end{cases}\]](https://blog.kleinproject.org/wp-content/ql-cache/quicklatex.com-9be6c2bae4c951b5d133c2db111fdca3_l3.png)
تُفقِدنا هذه العلاقات تناظر ثنائي الزاوية للمعادلة التربيعانية العامة وتؤدي بنا إلى زمرة گالوا أخرى تُشاكل الزمرة السابقة، لكنها لا تطابقها
![]()
يظهر الشكل الوارد أمام المعادلة نفس التناظر.
أخيرا، تسمح خواص المعادلة
![]()
بإنشاء علاقة ناطقة أكثر تعقيدا بين الحلول:
![]()
إن وضع الجذرين اللذين أفنى أحدهما الآخر في الخطوة السابقة ناجم من التداخل المختلف للمستويات. نلاحظ أن للعلاقات
![]()
![]()
تشكل بنية دورية تحوّل التناظر إلى زمرة دورية:
![]()
لإنشاء تناظر مشابه للسابق في رباعي السطوح، نستطيع اختصار التناظر عبر رسم أسهم. ومن ثمّ الاقتصار على الدورانات الدورية بين الرؤوس.
ماذا يقول التناظر عن حل المعادلات؟
ربما كنت قد تساءلت كيف يستطيع تحليلُ البنية وتناظرُ الحلول الإسهام في حل المسألة الأصلية التي انطلقنا منها، أي حل المعادلات. الوضع مشابه لـ”مبدأ التبصّر” الشهير في علم النفس الغشتلتي Gestalt psychology : عند العثور على الطريق الصحيح لإعادة بناء مشكلة (إيجاد الشكل “الغشتلت” الجيد)، فإننا غالبا ما نكون قد وجدنا الخطوة الرئيسية للحل. وهذا يصدق هنا أيضا، على الرغم من أنه لا يزال يتعيّن علينا فهم المزيد من التفاصيل.
تناظر واسع
علاقات قليلة
حلول معقدة.
لقد أظهرت الأمثلة السلوك النوعي التالي : عندما لا تكون للمعادلة “مميزات خاصة” يكون هناك تناظر مكتمل بين الحلول. ليس هناك سوى العلاقات التناظرية الكاملة، مثل:
![]()
التي تحققها الحلول، وهذا يعني أن زمرة گالوا ستحتوي كل التبديلات.
المعادلة العامة من الدرجة الرابعة (
) تتضمن التناظر الأقصى الذي يظهر في زمرة گالوا بوصفها زمرة التناظر الكاملة
التي تشمل جميع التبديلات. كلما كانت هناك ميزات في معادلة تؤدي إلى علاقات غير مألوفة بين الحلول (مثل
في المعادلة التربيعانية) فإننا نفقد بعض التناظرات (مثل التناظر الذي رمزنا إليه بـ
في المثال). وتختفي تلك التناظرات من زمرة گالوا التي تتقلص إلى زمرة جزئية من
(مثل وضع
في المثال). وعلاوة على ذلك : كلما ضعف التناظر كلما كانت صيغة حل معادلة (في حال وُجود) أقل تعقيدا مقارنة باستخدام الجذور المتداخلة. يدل ذلك على أن حجم زمرة التناظر يقيس إلى حد معين تعقيد صيغة الحل الممكن :
حل معادلة
إضافة الجذور
تقليص زمرة گالوا.
لحسن الحظ، فإن هذا السلوك النوعي دقيق رياضيا، مما يجعله يوفر التوضيحات اللازمة لعملية حل المعادلات. يمكن النظر إلى بلوغ حل معادلة بأنه بناء تدريجي للحلول من خلال إنشاء عبارات متزايدة التعقيد الواحدة تلو الأخرى باستخدام الجذور (“رمز الجذر”). تسمى هذه العملية “إقران” adjoining، وتؤدي إلى توسيع مجموعة الأعداد الناطقة
، وضم إليها جذور الأعداد الناطقة. ومن ثمّ ضم أيضا جذور الجذور، وهكذا دواليك. يتضح ذلك بـ”حل” المعادلة
التي أوردناه أعلاه، مع مراعاة البناء التدريجي في إنشاء الحلول
.
| الأعداد المعروفة في هذه الخطوة | بعض العلاقات بين الجذور | زمرة التناظرات (= كل التبديلات التي تحافظ على كل العلاقات) |
|---|---|---|
الأعداد الناطقة فقط. |
وهناك المزيد. |
![]() تلك هي زمرة گالوا للمعادلة. |
في الخطوة الموالية نقوم بعملية “إقران” العدد
بمجموعة الأعداد الناطقة
. وإلى جانب ذلك نقرن أيضا العبارات الناطقة. عندئذ توسع هذه العملية الحقل
إلى
![]()
بالنظر إلى حقل الأعداد
كـ”مجموعة أعداد معلومة” تظهر لنا علاقات جديدة بين الحلول. من جهة أخرى، نلاحظ أن هذه العلاقات تكسر التناظر، وبالتالي تقلص زمرة التناظرات.
= زمرة جزئية من زمرة گالوا . |
كعلاقة إضافية. |
يمكننا مواصلة هذه العمليات. وعند إقران
يظهر جليا أحد الحلول. ونلاحظ أننا نفقد تماما التناظر بالنسبة لهذا الحل.
هذه زمرة جزئية أخرى. |
هذه علاقة إضافية. |
في الخطوة الأخيرة، نقرن
. عندئذ نفقد التناظر تماما، ونصل إلى أكمل تقليص لزمرة التناظرات. وتبعا لذلك يتم التعبير عن كل حل بعبارة تتضمن رمز الجذر :
التوصل إلى أكمل تقليص. |
هذه علاقة إضافية. |
يقدم هذا المثال لمحة حول العلاقة بين المفاهيم المركزية المرتبطة ببنية المعادلات. في الواقع، فإن هذه العمليات متشابهة نسبيا :
1) “إنشاء حلول معادلة” :
،
2) “توسيع حقل الأعداد” :
![]()
3) “تقليص التناظر ما بين الحلول بإيجاد علاقات جديدة”،
4) “إيجاد زمر جزئية من زمرة گالوا ” :
.
لاحظ التوازي بين العمليتين المتمثل في توسيع حقول الأعداد وتقليص زمر گالوا :
![]()
![]()
يمكن أن نضيف خطوة أخرى والوصول إلى علاقة تقابلية ما بين مجموعة كل الحقول الجزئية لـ
ومجموعة كل الزمر الجزئية لزمرة گالوا (في هذا المثال، الحقول الجزئية لـ
). ذلك هو مضمون ما يعرف بـ”المبرهنة الأساسية في نظرية گالوا” الشهيرة.
هل تستطيع نظرية گالوا توفير صيغ للحلول؟
هذا السؤال من الأفضل أن يجيب عنه گالوا نفسه (مع العلم أن إجابته ستبدو مثل الإجابة الشهيرة في “مزحات راديو أرمينيا” Armenian Radio jokes: “مبدئيا نعم، لكن…”). “إذا أعطيتني معادلة جبرية من اختيارك وأردت أن تعرف ما إذا كان بالإمكان حلها بالجذور، فسوف أريكم فقط الخطوط العريضة للإجابة عن السؤال، بدون أن أكلف نفسي أو أي شخص آخر بالقيام بذلك. باختصار: الحسابات غير عملية ” (گالوا 1832، ص.39، المرجع [1]).
يمكنك فهم هذا الكلام إن اعتبرتَ أن إجراء عمليات گالوا تتطلب معادلة من الدرجة الخامسة لإنشاء كثير حدود من الدرجة 120 وتحليله إلى عوامل. هذه الرؤية جعلت العديد من المعاصرين لگالوا يطمحون في الوصول إلى خوارزمية عملية. فهم ببساطة لم يتبعوا گالوا في نظرته الجذرية الجديدة: لقد توقف گالوا عن البحث في موضوع خوارزمية صالحة لحل جميع المعادلات التي لها نوع معين من التعقيدات. ومن ثمّ نستخلص بصفة خاصة عدم وجود صيغة عامة لحلول المعادلات ذات الدرجة 5 أو أكثر. كانت هذه النتيجة معروفة وأُثبتت بضع سنوات قبل گالوا (على أيدي روفيني Ruffini وآبل Abel)، لكن گالوا يُعدّ أمرا بسيطا.
بعد أن انتهى گالوا من تأسيس النظرية المجردة لِبُنى المعادلات كان بالإمكان استخدامها في تحقيق هدف أسمى: تستطيع نظريته الإجابة عن السبب الذي يجعل الحل عن طريق الجذور صعبا في بعض الحالات وسهلا في حالات أخرى. بل تستطيع نظريته أيضا شرح لماذا يكون الحل في بعض الأحيان فائق الصعوبة، أي مستحيلا!
هذا ما سنتناوله في آخر هذا المقال : سننظر في عملية البحث عن الحل من زاوية التناظر (أي من خلال تقليص زمرة گالوا). في المثال السابق الذي استعرض الانخفاض التدريجي لزمرة گالوا إلى أن بلغت الزمرة التافهة
(
)، كانت لكل خطوة “خاصية متميزة” (كما كان يصفها گالوا ذاته): تمثل كل زمرة صغيرة نوعا خاصا من الزمرة الجزئية لزمرة أكبر (“زمرة جزئية ناظمية” normal subgroup) وحاصل قسمة رتبة زمرة على رتبة الزمرة الجزئية التي تليها يساوي دائما عددا أوليا (في هذه الحالة 8: 4: 2: 1، لذلك نحصل دائما على
). أدرك گالوا أن هذه الخاصية تمثل شرطا لازما وكافيا لنتمكن من حل المعادلة بواسطة الجذور. وهكذا من أجل جميع المعادلات من الدرجة الرابعة أو من درجة أقل، يمكن تقليص أي زمرة بتطبيق “الخاصية المتميزة”.
بينما نجد معظم المعادلات ذات الدرجة 5 أو أكثر لا تتمتع بميزة خاصة. ومن ثمّ فهي تمتلك زمرة گالوا كبيرة (تناظر واسع ومعقد، وهناك القليل من العلاقات بين الحلول). على سبيل المثال، تمتلك المعادلة
زمرة گالوا
(أي مجموعة كل التبديلات لخمسة عناصر) –ليست هناك علاقة بين الحلول تقلص التناظر– بمعنى أننا نأمل في الحصول على تقليص كالتالي
![]()
يؤدي، بخصوص رتب الزمر، إلى
. لكننا نستطيع من خلال تفحّص الزمر الجزئية لـ
التأكد من أنه لا وجود لمثل هذه المتالية التي تعتبر شرطا ضروريا لبلوغ مبتغانا. لذلك لا يمكن أن يكون هناك حل عام يستخدم الجذور صالح لجميع المعادلات التي لها نوع معين من التعقيدات. ومن ثمّ نستخلص بصفة خاصة عدم وجود صيغة عامة لحلول المعادلات ذات الدرجة 5 أو أكثر. كانت هذه النتيجة معروفة وأُثبتت بضع سنوات قبل گالوا (على أيدي روفيني Ruffini وآبل Abel)، لكن البرهان على الحل في سياق تحليل شبيه بالذي قدمه گالوا يُعدّ أمرا بسيطا.
قراءة للاستزادة
إن شروحات جوهر أفكار نظرية گالوا المقدمة أعلاه تعطي لمحة عن معنى وجمال نظرية أساسية في الرياضيات الحديثة.
لقد أهملنا الحديث عن الكثير من التفاصيل والروابط الوثيقة بظواهر أخرى (الإنشاء بالمدور والمسطرة، والأعداد الدُّوَيرانية cyclotomic، واختراع الأعداد العقدية، وكثيرات الحدود الأصغرية، وهلمّ جرا). ولحسن الحظ، هناك العديد من الكتب التي لا تقدم فقط نظرية گالوا الحديثة بطريقة مجردة (وبالتالي تَحُول دون استيعاب القارئ للفكرة الأساسية)، بل منها ما يحاول أيضا تبسيط الإلمام بعديد الجوانب في نظرية گالوا. هناك كتب مختلفة يمكن أن نوصي بها القارئ حسب رغبته :
[1] العمل الأصلي لگالوا :
Galois, É. (1846). Écrits et Mémoires Mathématiques d’Évariste Galois,
R. Bourgne & J.MP. Azra, Editors, Gauthier-Villars, Paris, 1962.
وأيضا :
Oeuvres Mathématiques d’Évariste Galois, Gauthier-Villars, Paris, 1897, and J.
Math. Pureset Appl. (1) 11, 381-444.
[2] تحليل معمق للعمل الأصلي وفق مقاربة كلاسيكية مع ترجمة كاملة (من الفرنسية) إلى الأنكليزية :
Edwards, H. M. (1984). Galois theory. New York: Springer-Verlag.
انظر أيضا :
Edwards, H. M. (2011). Galois’s Version of Galois Theory
محاضرة ألقيت في الذكرى المائتين لميلاد گالوا، يوم 24 أكتوبر 2011 بـ Institut Henri Poincaré, Paris.
