من التّراجع إلى الاستقراء

المؤلفون الأصليون: ميشال أرتيگ Michèle Artigue وفردناندو أرزريلو Ferdinando Arzarello.

من التراجع إلى الاستقراء

من السهل، عند اعتبار شبكة مؤلفة من مربعات، إنشاء مربعات تكون كل رؤوسها عُقَدًا لتلك الشبكة. لكن، هل يكون ذلك ممكنا إذا ما عوّضنا المربعات بمضلعات منتظمة أخرى، مثل ثماني الأضلاع؟ الجواب هو “لا”. ونستطيع إثبات ذلك بالنسبة لثماني الأضلاع بالكيفية التالية (أنظر المرجع [3]):

دعنا نتناسى مؤقتا هذه الشبكة. نرفق بكل ثماني أضلاع منتظم (أي ثماني أضلاع تتساوى جميع أضلاعه وزواياه) ثماني أضلاع آخر كما هو مبيَّن في الشكل 2: تمثل النقطة A' صورة النقطة A عبر الدوران المباشر في الاتجاه ذي المركز B بالزاوية 90^\circ. أما النقطة B' فهي صورة النقطة B في الاتجاه المباشر للدوران ذي المركز C بالزاوية 90^\circ، وهكذا دواليك… يمكننا إثبات أننا نحصل على ثماني أضلاع منتظم ثانٍ يحاكي ثماني الأضلاع الأول وله نفس المركز O، علما أن مساحته أصغر تماما من مساحة ثماني الأضلاع الأول.

نعود الآن إلى حالة المضلعات المحدبة التي تكون رؤوسها عُقَدًا لشبكة. نرفق بمثل هذا المضلع P العدد S(P) الذي يمثّل عدد نقاط الشبكة المنتمية إلى المضلع مع إهمال النقاط الموجودة على الحافة. على سبيل المثال، إذا اعتبرنا المضلع P الوارد في خماسي الأضلاع الموضح في الشكل 3 فإن S(P) الذي يمثّل النقاط الحمراء يساوي 26 (تذكير: هذا العدد له علاقة بمساحة الخماسي من خلال قانون بيك Pick، انظر الموقع: http://en.wikipedia.org/wiki/Pick%27s_theorem).

إنشاء ثماني الأضلاع الثاني
الشكل 2: إنشاء ثماني الأضلاع الثاني.
حساب العدد S(P)
الشكل 3: حساب العدد S(P).

والآن، نفرض أننا نستطيع إنشاء ثُماني أضلاع منتظم P_1 تقع رؤوسه في عُقَد للشبكة. بطريقة الإنشاء المبيَّنة أعلاه يمكن إرفاقه بثماني أضلاع منتظم آخر P_2 تقع أضلاعه أيضا في عُقَد من الشبكة، ذلك أننا نحافظ على هذه الخاصية بدوران زاويته 90^\circ، ومركزه هو مركز الشبكة. وبالإضافة إلى ذلك فإن العدد الصحيح S(P_2) سيكون أصغر تماما من العدد S(P_1). عندما نكرّر العملية فلا بدّ أن نصل إلى تناقض.

لقد أثبتنا الاستحالة باتباع استدلال معروف في الحساب منذ عهد فيرما Fermat: الإثبات بواسطة الانحدار اللانهائي. ما هي أسس هذه الطريقة؟ إنها تعتمد على استحالة إنشاء متتالية لانهائية متناقصة تماما مؤلفة من الأعداد الطبيعية. ولهذه الاستحالة صلة وثيقة بخاصية الترتيب المعروفة في مجموعة الأعداد الطبيعية: وهو الترتيب المسمّى بالترتيب الجيد، والذي يعني أن كل مجموعة غير خالية لديها عنصر أصغر. لرؤية ذلك، نفرض أننا نستطيع إنشاء متتالية لانهائية متناقصة تماما من الأعداد الطبيعية (u_n). ولتكن S مجموعة عناصرها: S = \{u_0, u_1, \ldots, u_n, \ldots\}. تملك S أصغر عنصر، نرمز له بـ \alpha. إنه حد من المتتالية. ومن ثم يوجد دليل k بحيث \alpha = u_k. غير أن لدينا في هذه الحالة u_{k+1} < u_k، مع انتماء u_{k+1} إلى S. وهو ما يناقض تعريف \alpha.

مبدأ التراجع والترتيب الجيد للأعداد الطبيعية

مبدأ التراجع (أو التدريج) الرياضي، المقدّم عموما في المرحلة الثانوية، يأتي في الواقع من خاصية الترتيب الجيد للأعداد الطبيعية. فهو ثالث بديهيات علم الحساب التي اقترحها بيانو Peano عام 1908. إليك نصه:

لتكن S مجموعة غير خالية تشمل 0. إذا كان، من أجل أيّ عنصر a من S، العنصرُ الذي يليه ينتمي أيضا إلى S فإن S يحتوي على كل الأعداد الطبيعية.

نحن عادة ما نقوم بصياغة هذا المبدأ في التعليم على النحو التالي: إذا تحققت خاصية P (تتعلق بالأعداد الطبيعية) من أجل 0، وكانت أيضا محققة من أجل n+1 كلما تحققت من أجل العدد طبيعي n الذي يسبقه فإن تلك الخاصية P محققة من أجل كل الأعداد الطبيعية.

إذا سلّمنا بأن ترتيب الأعداد الطبيعية ترتيب جيد فإن مبدأ التراجع سينتج منه مباشرة. بالفعل، لنفرض أن هناك أعدادا طبيعية لا تتوفر فيها الخاصية P. ولتكن S تلك المجموعة من الأعداد الطبيعية التي لا تمتلك الخاصية P. إنّ S غير خالية ولديها أصغر عنصر n_0 حيث n_0 يختلف عن 0 (لأنّ 0 يحقق P). ومن ثمّ فإن هناك عنصرا سابقا n_0 - 1 لـ n_0 يحقق P. وعليه يحقق n_0 أيضا الخاصية P. وهذا يناقض تعريف العدد n_0.

يمكن استعمال التراجع الرياضي لتعريف الدوال. على سبيل المثال، فذاك ما نفعله عندما نعرّف متتاليات تراجعية، أي بتعاطي الحد الأول u_0 وعلاقة من الشكل u_{n+1} = f(u_n) حيث f دالة معرفة على \mathbb{N}. ذلك ما نسميه تعريفا بالاستقراء.

التراجع والاستقراء: التعميم الأول

بشكل أعم، يمكن أن نفكر في الاستدلال بالاستقراء على كل مجموعة مرتبة جيدا. فلنعتبر، على سبيل المثال، المجموعة \mathbb{N} \times \{0,1\} المزوّدة بالترتيب المعجمي: (a,b) \leq (c,d) إذا كان a < c أو a = c و b \leq d. هذا الترتيب ترتيب جيد. بالفعل، لتكن S مجموعة غير خالية من \mathbb{N} \times \{0,1\}، من الممكن التمييز بين حالتين:

  • إما أن تكون كل عناصر S من الشكل (1,b). عندئذ تكون \{b : (1,b) \in S\} مجموعة غير خالية من \mathbb{N} ولديها أصغر عنصر b_0. إذن (1,b_0) هو أصغر عنصر من S.
  • وإما أن يوجد عنصر من S من الشكل (0,b). عندئذ، يتمثّل إثبات أن S لـها أصغر عنصر في إثبات أن \{b : (0,b) \in S\} أصغر عنصر، وهذا ما يتحقق حتما.

بنفس الطريقة، فإن الترتيب المعجمي في \mathbb{N}^2، وبصفة أعم في \mathbb{N}^p هو ترتيب جيد. نترك للقارئ مهمة تكييف البرهان السابق للحصول على برهان الحالة السابقة. وهكذا، ليس من الممكن في هذه المجموعات وجود متتالية لانهائية متناقصة تماما، وهذا حتى إن وُجد، من أجل كل عنصر من الشكل (a_1, a_2, \ldots, a_p) مع a_1 \neq 0، عددٌ غير منته من العناصر الأصغر منه (وهي كل العناصر من الشكل (b_1, b_2, \ldots, b_p) مع b_1 < a_1).

ومن ثمّ يمكن في \mathbb{N}^p تطبيق استدلال الانحدار اللانهائي الذي استخدمناه في المثال الأول. كما يمكن في هذه المجموعة تعريف الدوال عن طريق الاستقراء. تلك هي حالة الدالة الشهيرة من \mathbb{N}^2 نحو \mathbb{N} مثلا التي أدخلها أكرمان Ackermann عام 1932 والتي سنعود إليها أدناه.

الاستقراء والأعداد الترتيبية

نلاحظ في نظرية المجموعات أن فكرة الترتيب الجيد —وهي أمر ضروري للاستدلال الرياضي— يُعَبَّر عنها من خلال مفهوم العدد الترتيبي، ثم إنها لا تكتفي بمعالجة علاقات الترتيب الجيد بل تتجاوز ذلك كما أوضحنا أعلاه.

يتم تعريف الأعداد الترتيبية —بما فيها الأعداد الطبيعية التي تمثل في الواقع الأعداد الترتيبية المنتهية— كمجموعات مرتبة جيدا عن طريق علاقة الانتماء والتعدي (نقول عن مجموعة X إنها متعدية إذا كان كل عنصر z من عنصر y من X هو أيضا عنصراً من X (أي إذا كان كل عنصر من X جزءا من X). ولكننا سنكتفي في هذه المقالة بالنظر حدسيًّا إلى الأعداد الترتيبية المقدمة من قبل كونتور Cantor في أواخر القرن التاسع عشر. نرمز للعدد الترتيبي اللانهائي الأول بـ \omega، وهو إتحاد كل الأعداد الترتيبية المنتهية. إنه يمثل الترتيب في الأعداد الطبيعية. ويلي \omega العدد \omega + 1 الذي يليه \omega + 2، وهكذا دواليك. إن أصغر عدد ترتيبي أكبر من كل الأعداد \omega + n هو \omega + \omega، (الذي يرمز إليه أيضا بـ \omega \cdot 2). وأصغر عدد ترتيبي أكبر من كل الأعداد \omega \cdot n هو \omega^2، ونواصل على هذا المنوال.

    \[0, 1, 2, \ldots, n, \ldots, \omega, \omega+1, \omega+2, \ldots, \omega+n, \ldots, \omega \cdot 2, \omega \cdot 2+1, \omega \cdot 2+2, \ldots, \omega \cdot 2+n, \ldots, \omega \cdot 3, \ldots, \omega \cdot n, \ldots, \omega^2, \ldots, \omega^3, \ldots, \omega^\omega, \ldots\]

ثمة، في الواقع، نوعان من الأعداد الترتيبية، تلك التي تلي العدد الترتيبي المعطى، مثل \omega + n، \omega^\omega + n حيث n \neq 0، وتلك التي ليس لها سوابق لكنها تساوي إتحاد كل الأعداد الترتيبية الأصغر منها، مثل \omega، \omega^n، \omega^\omega، … في القائمة السابقة. نلاحظ أن الترتيب المعجمي في \mathbb{N} \times \{0,1\} يزوّد هذه المجموعة بترتيب، هو ترتيب العدد الترتيبي \omega + \omega. إن تعميم هذا الترتيب إلى الترتيب المعجمي على \mathbb{N} \times \mathbb{N} يوافق \omega^2، … غير أن هناك أعدادا ترتيبية أخرى تختلف عن تلك التي أوردناها هنا، علمًا أن كل واحد منها عدودي. نستطيع البرهان في نظرية المجموعات، باستعمال مسلمة الاختيار، أنه يمكن ترتيب كل مجموعة ترتيبا جيدا. انظر مثلا الموقع:

http://ar.wikipedia.org/wiki/بديهية_الاختيار

كما يمكن تعريف دوال بالاستقراء اعتمادا على الأعداد الترتيبية. لتعريف دالة بالاستقراء على العدد الترتيبي \alpha، ينبغي تحديد قيمة هذه الدالة عند 0 وتوضيح العملية التي تسمح لنا بالحصول على قيمة f(\alpha) انطلاقا من قيم الدالة على الأعداد الترتيبية السابقة. نشير إلى أنه من الأفضل اعتبار حالتين لتعريف f(\alpha): إما \alpha محدود أو موَالٍ لعنصر آخر. عندما يتعلق الأمر بالإعداد الترتيبية، يمكننا تقديم استدلال يعتمد على الانحدار اللانهائي على الأعداد الترتيبية. توفّر المقالة القصيرة “متتاليات غودشتاين Goodstein” مثالا جيدا لمثل هذا الاستدلال. انظر الموقع:

http://blog.kleinproject.org/wp-content/uploads/2014/11/GoodsteinSequence.pdf

عودة إلى دالة أكرمان Ackermann وطريقة القَطْرَنَة Diagonal argument

دالة أكرمان المشار إليها أعلاه هي مثال لدالة معرّفة بالاستقراء. نرمز لها بـ A ونعرّفها كما يلي:

  • من أجل كل عدد صحيح موجب y، A(0,y) = y+1،
  • من أجل كل عدد صحيح موجب x، A(x+1,0) = A(x,1)،
  • من أجل كل ثنائية عددين صحيحين موجبين (x,y) يكون: A(x+1, y+1) = A(x, A(x+1, y)).

تُعطى قيمة A عند النقطة (x,y) صراحة إذا كان x = 0. وإذا كان x \neq 0 فحساب A(x,y) يستعمل قيما للدالة ذاتها في بعض النقاط (c,d) بحيث (c,d) < (x,y) باعتبار الترتيب المعجمي. وعليه فهذا الحساب يتطلب متتالية متناقصة تماما مؤلفة من مثل تلك النقاط. وهذه المتتالية لا بد أن تكون منتهية إذ أن الترتيب المعجمي يمثل ترتيبا جيدا. ومع ذلك، قد تكون المتتالية طويلة جدا. مثال: كم عدد الحدود التي ينبغي حسابها لإيجاد A(3,2)؟

دعنا نبدأ بمثال بسيط: نحسب A(2,2)، بملء تدريجي للجدول التالي:

y \backslash x 0 1 2 3 \cdots
0 1 2 3
1 2 3 5
2 3 4
3 4 5
\cdots

الشرط الأول هو A(0,y) = y+1 الذي يسمح لنا بملء الخانة الأولى، ثم نحصل على التوالي:

    \[A(1,0) = A(0,1) = 2; \quad A(1,1) = A(0, A(1,0)) = A(0,2) = 3;\]

    \[A(1,2) = A(0, A(1,1)) = A(0,3) = 4.\]

ولدينا عموما:

    \[A(1, n+1) = A(0, A(1,n)) = A(0, n+1) = n+2.\]

ومن ثم، يمكن أن نجد:

    \[A(2,0) = A(1,1) = 3; \quad A(2,1) = A(1, A(2,0)) = A(1,3) = 5,\]

وكذلك

    \[A(2,2) = A(1, A(2,1)) = A(1,5) = 7.\]

لحساب A(2,2)، نلاحظ أننا نستعمل كل قيم الدالة باعتبار الثنائيات الواردة في أول عمود حتى الخانة (0,6)، وكل قيمها باعتبار ثنائيات العمود الثاني حتى الخانة (1,5)، وكذا قيمها باعتبار ثنائيات العمود الثالث حتى الخانة (2,2). ومن ثمّ، فنحن نستعمل 15 قيمة للدالة.

ماذا يحدث إذا ما أردنا إيجاد A(3,2)، ثم كم تساوي القيمة A(3,2)؟ نترك للقارئ مهمة الإجابة عن هذا السؤال.

بتثبيت أحد المتغيرين في دالة أكرمان سنحصل على ما اعتدنا تسميته “الدوال الحسابية”. وهكذا إذا رمزنا بـ A_n للدالة المتحصل عليها عند تثبيت أول متغير عند القيمة n فقد رأينا أن A_0(y) = A(0,y) = y+1. ومنه فإن A_0 تمثّل دالة “التتالي” (أي أنها ترفق y بالعنصر التالي y+1) و A_1(y) = y + 2. يمكن أن نبيّن أن A_2(y) = 2y + 3 و A_3(y) = 2^{y+3} - 3. وبعد ذلك سرعان ما تتعقد العبارات حيث تظهر تكرارات للقوى، وتصبح القيم A(x,y) كبيرة جدًا بعد بضعة خطوات. على سبيل المثال، نجد A(5,0) = 65533، ونلاحظ أن A(4,2) عدد يتألف من 19729 رقمًا.

في الواقع، نستطيع إثبات أن الدالة g المعرفة بـ g(x) = A(x,x) تتمتع بالخاصية التالية: من أجل كل دالة أصلية ارتدادية (أو تكرارية) recursive (أي كل دالة نستطيع إنشاءها انطلاقا من دالة “التتالي” ومن دوال الإسقاط من \mathbb{N}^p على \mathbb{N} من خلال التركيب والتراجع)، يوجد عدد صحيح موجب N بحيث g(x) > f(x) وذلك من أجل أيّ عدد x أكبر من N.

وهكذا نثبت وجود دوال حسابية ليست أصلية ارتدادية. نلاحظ أن دالة أكرمان هي مثال لهذا النوع من الدوال. غير أن الدوال المألوفة على الأعداد الصحيحة، كالدوال التي تستعمل في مرحلة التعليم الثانوية تمثّل كلها دوالاً أصلية ارتدادية. كما أن الدوال التي تصل عددين صحيحين بمجموعهما أو جدائهما هي دوال أصلية ارتدادية. ذلك أننا نستطيع تعريفها عن طريق التراجع بـوضع: من أجل كل x، x + 0 = x و x \cdot 0 = 0؛ ومن أجل كل y، x + (y+1) = (x+y) + 1 و x \cdot (y+1) = xy + x. سوف نترك للقارئ استنتاج أن الدالة التي تصل ثنائية من الأعداد الصحيحة الموجبين (x,y) بـ x^y هي أيضا أصلية ارتدادية. وكذلك الأمر بخصوص كل تكرار منته لمثل تلك الدوال الأسية (أي من النوع x^y). وبصفة أعم، فكل دالة يمكن تعريفها باستعمال الدوال الأصلية الارتدادية من خلال خوارزمية تستعمل العبارة ‘الدورانية’ من الشكل “من أجل عدد k يتحول من 1 إلى n” تمثّل دالة أصلية ارتدادية.

يتطلب البرهان الاعتماد على القَطرنة diagonalization. اكتُشف هذا البرهان عام 1874 من قبل جورج كانتور Georg Cantor، وذلك للبرهان على أن مجموعة الأعداد الحقيقية ليست عدودية، بمعنى أنه لا يوجد تقابل بين \mathbb{R} و \mathbb{N}. وفي 1891، استعمل هذه الطريقة من جديد لإثبات بأن مجموعة أجزاء مجموعة X لديها أصلي أصغر دائما من أصلي X. كان اكتشاف طريقة القطرنة خطوة مهمة في تطور المنطق الرياضي. فهي منطلق براهين عديد النتائج، ومنها نظرية عدم الاكتمال لگودل Gödel، وكذا براهين جملة من النتائج التي تندرج ضمن نظرية قابلية الحساب. كما أن مُحَيِّرة راسل Russell تعتمد على هذه الفكرة. يمكن في مرحلة التعليم الثانوي الإشارة إلى قوة هذا النوع من الاستدلال وذلك بإثبات أن المجال [0,1) غير عدودي مستخدمين الخاصية القائلة إن كل عدد حقيقي يقبل تمثيلا عشريا وحيدا (شريطة ألا نعتبر التمثيلات “السيئة” التي تنتهي بتكرار الرقم 9 بصفة غير منتهية).

نفرض أن المجال [0,1) عدودي، أي أنه يوجد تقابل بينه وبين \mathbb{N}. ومن ثمّ نعتبر ترتيبًا لهذه الأعداد الحقيقية تحدده متتالية (\alpha_n). التمثيل العشري غير المنتهي للعدد \alpha_n يكتب على الشكل: 0, a_1^n a_2^n \ldots، وينتهي بعدد غير منته من الأصفار إن كان العدد الحقيقي \alpha_n عشريا. نعتبر عندئذ العدد الحقيقي \alpha الذي نكتب تمثيله العشري على الشكل: 0, b_1^n b_2^n \ldots حيث b_k = a_k^k - 1 إن كان a_k^k \neq 0 و b_k = a_k^k + 1 إن كان a_k^k = 0. من الواضح أن 0, b_1^n b_2^n \ldots هو التمثيل العشري لعدد حقيقي \beta في المجال [0,1) وأن \beta يختلف عن أي عنصر من المتتالية (\alpha_n). ومنه نستنتج أن المجال [0,1) غير عدودي. وهو ما يؤدي أيضا إلى القول بأن مجموعة الأعداد الحقيقية ليست عدودية.

الخاتمة

اُستعمل مبدأ الاستقراء الرياضي منذ القدم. نجده مثلا في كتاب الأصول لإقليدس في موضوع إثبات وجود عدد لانهائي من الأعداد الأولية. وبالموازاة مع ذلك، كان الاستدلال بالانحدار اللانهائي حاضرا في الرياضيات منذ مئات السنين، وغالبا ما يُربط مفهومه بفيرما Fermat الذي استخدم هذه الطريقة بشكل متكرر في أعماله حول نظرية الأعداد. أما إثبات تكافؤ هاتين الطريقتين في البرهان فهو أكثر حداثة، بحكم أنه ارتبط بتطور المنطق الرياضي. إن الأداة الرئيسية في كل هذا السياق هو مفهوم الترتيب الجيد الذي كان جورج كانتور يرى فيه “أداة أساسية للتفكير”. فهي لا تسمح لنا بفهم التكافؤ بين الاستقراء الرياضي والانحدار اللانهائي فحسب بل تفيدنا أيضا في الاستدلال بالاستقراء عندما يتعلق الأمر بمجموعات تختلف عن مجموعة الأعداد الطبيعية. ومن شأن ذلك أن يجعلنا ندرك بوجه خاص كيفية التعامل مع التراجعات المتداخلة (الثنائية والثلاثية) كما هو الحال في تعريف دالة أكرمان.

المثال الذي افتتحنا به هذه المقالة القصيرة اخترناه ليظهر أنّ الاستقراء الرياضي أداة عامة في الرياضيات وليست حكرا على نظرية الأعداد. إنه يؤدي دورًا مهمًّا سيما في الرياضيات المتقطعة.

فضلاً عن مفهوم الاستقراء، كانت هذه المقالة القصيرة أيضا فرصة سانحة للتطرق إلى مسائل مختلفة ليست في معزل عن المسائل الأولى التي تعرضنا إليها، مثل مسألة قابلية الحساب. لقد سمح ترييض المفهوم الحدسي لقابلية الحساب —الذي استدعى تشفير أنواع مختلفة لكائنات متقطعة، وتطلبت أيضا استخدام طرق القَطْرنة— بالتوصل إلى نتائج عميقة في مجالات مختلفة. كما أن هذا الترييض كان بالغ الأهمية في موضوع الربط بين الرياضيات وعلم الحاسوب.

المراجع

[1] Calude C., Marcus S., Tevy, I (1979). The first example of a recursive function which is not primitive recursive, Historia Math., vol. 6, n. 4, 380–84.

[2] Cori, R., Lascar D. (2003). Logique mathématique, tome 2: Fonctions récursives, théorème de Gödel, théorie des ensembles, théorie des modèles. Paris: Editions Dunod.

[3] Payan C. (1992). Une belle histoire de polygones et de pixels. MATh.en.JEANS au Palais de la Découverte, pp. 99–106. mathenjeans.free.fr/amej/edition/actes/actespdf/92099106.pdf.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *